تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا: فناداه، عز وجل، من بُعْد، فـ: "من" لابتداء الغاية، فابتداء غاية النداء من جانب الطور، وذلك دليل على إثبات الكلام بالصوت، فالنداء لا يكون إلا بالصوت، فهو ما سمعه الكليم، عليه السلام، فقد تكلم، جل وعلا، بصوت وحرف، فكلم موسى عليه السلام بكلام ذي مبان لفظية لها معان يدركها السامع بصوت يدركه، أيضا، فسمع موسى عليه السلام كلام ربه، جل وعلا، بلغته العبرانية، فقد تكلم الله، عز وجل، بها، كما تكلم بالإنجيل بلغة المسيح عليه السلام وهي العبرانية، أيضا، وكما تكلم بالكتاب العزيز بلغة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي العربية، ثم قربه في مقام المناجاة، وكلام الرب لموسى عليه السلام مما أجمل في مواضع من التنزيل وبين في مواضع أخر:

فأجمل في نحو قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).

ثم جاء البيان في هذا الموضع بإثبات الصوت.

ثم جاء البيان في موضع آخر بإثبات الحرف فقال له الرب جل وعلا: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، فكن من الشاكرين على هذه النعمة الشرعية العظمى: نعمة النبوة، فذلك جار على ما تقرر من عظم عناية الرب، جل وعلا، برسله عليهم السلام، وبمن بعثوا إليهم من الأمم، فلولا الرسل، عليهم السلام، ما عرف أولئك الحق من الباطل، ولولا الرسل، عليهم السلام، ما حصل لهم البيان الذي به تظهر طريق النجاة فيسلكها المسدد ويعدل عنها المخذول.

فحصل البيان من أكثر من وجه، كما أشار إلى ذلك ابن خزيمة، رحمه الله، في معرض إثبات صفة الكلام للرب، جل وعلا، بقوله:

"قال الله تعالى: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله» .......... الآية فأجمل الله تعالى ذكر من كلمه الله في هذه الآية، فلم يذكره باسم ولا نسب، ولا صفة، فيعرف المخاطب بهذه الآية التالي لها أو سامعها من غيره: أي الرسل الذي كلمه الله من بين الرسل، وكذلك أجمل الله أيضا في هذه الآية الجهات التي كلم الله عليها من علم أنه كلمهم من الرسل، فبين في قوله: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء»، الجهات التي كلم الله عليها بعض البشر، فأعلم: أنه كلم بعضهم وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء وبين في قوله: «وكلم الله موسى تكليما» أن موسى صلى الله عليه وسلم كلمه تكليما، فبين لعباده المؤمنين في هذه الآية ما كان أجمله في قوله: «منهم من كلم الله»، فسمى في هذه الآية كليمه، وأعلم أنه موسى، الذي خصه الله بكلامه، وكذلك قوله تعالى: «ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه» مفسر للآية الأولى، سمى الله في هذه الآية كليمه، وأعلم أنه موسى الذي خصه الله بالتسمية من بين جميع الرسل صلوات الله عليهم، وأعلم جل ثناؤه أن ربه الذي كلمه، وأعلم الله تعالى أنه اصطفى موسى برسالته وبكلامه، فقال عز وجل: «يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين» ففي الآية: زيادة بيان، وهي: إعلام الله في هذه الآية بعض ما به كلم موسى ألا تسمع قوله: «إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي»، إلى قوله: «وكن من الشاكرين»، وبين في آي أخر بعض ما كلمه الله عز وجل به، فقال في سورة طه: «فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري» إلى آخر القصة، وقال في سورة النمل: «إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر» إلى قوله: «فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها» إلى قوله: «يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم» وقال في سورة القصص: «فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين» إلى آخر القصة، فبين الله في الآي الثلاث: بعض ما كلم الله به موسى". اهـ

"التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل"، ص117، 118.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير