تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

اكتساب المال، والثاني مشغول بهم صيانته من التلف وزيادته من أي وجه، فـ: "لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، فلا يشبع طالب المال وإن جعلت له الجبال ذهبا، فـ: "منهومان لا يشبعان طالبهما طالب علم وطالب الدنيا"، وهو مع ذلك مشغول بهم إنفاقه!، فيتفنن غالبا إن لم يؤت حظا من العلم في إهداره، وتلك حال كثير من أصحاب الأموال، فـ: "إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ" وذكر منهم: "وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ"، وشرعت الزكاة أيضا عناية بالغني فهي وقاية لماله، لو فقه، من الآفات، ووقاية لنفسه من رذيلة الشح والبخل التي تصيب صاحبها بالهم والنكد، فقلبه معلق بالدنيا، إن ربح فرح فرح الأشر البطر، وإن خسر حزن حزن اليائس القنط، ففي كلتا الحالين لا حظ له من الطمأنينة لغفلته عن سببها الرئيس: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، بل حقيقة معيشته: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)، وإن كان له من أسباب المتاع الظاهر ما يحسده عليه الذين لا يعلمون، ويشفق منه الذين يعلمون، فلكل زمان قارون، بل قوارين كثر ينقسم الناس فيهم: (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)، فتلك صورة خاصة باعتبار الأعيان، عامة باعتبار الأحوال، فالزكاة لمن تأملها رحمة لكل أفراد الجماعة المسلمة: غنيها وفقيرها، بها تستنزل الرحمات: (وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا)، فمفهومه نزول القطر غيثا لا عذابا على من أدى حق الرب، جل وعلا، في ماله الذي استخلف فيه، فتلك صورة خاصة من صور الخلافة العامة برسم: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، فذلك نظر الإحصاء، فالرب، جل وعلا، قد علم المقادير أزلا، فذلك علمه التقديري الأول، ثم أظهرها في عالم الشهادة بقدرته، فخلق الأعيان وخلق الأفعال، ثم نظر فيها بعلمه الثاني: علم الإحاطة بالصغائر والكبائر، فكتب كلا بأيدي ملائكته الحفظة، فذلك من تمام عدله أن أقام، وهو العليم، الشاهد من الكتاب المحصي بل قد أقام الشاهد من نفس الإنسان كما في حديث أنس، رضي الله عنه، مرفوعا، وفيه: "فإني لا أقبل علي شاهدا إلاَّ من نفسي قال: فيقول تبارك وتعالى، أو ليس كفاني شهيد وبالملائكة الكرام الكاتبين شهودا. قال: فيردد هذا الكلام مرارا قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل فيقول: بعدا لكن وسحقا عنكن كنت أجادل: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم، ولا أبصاركم} "، فانقطعت حجته، فكذلك الشأن في أمر الزكاة، فقد يسر أسباب الغنى لبعض خلقه ليبتليهم ويبتلي بهم، فيبتلى الغني بالفقير ليؤدي حقه، ويبتلى الفقير بالغني ليصبر عما حرمه من نعم لو تدبرها لزهد فيها، فمآلها الفساد ثم الزوال، وإنما يكفيه منها ما يذهب البلابل التي تذهل القلب عن طاعة الرب جل وعلا فليس الفقر بمراد شرعي، بل هو عارض كوني، يعرض كالغنى، فله فقه يناط به الثواب والعقاب، فلا يتعلق به في نفسه مدح أو ذم، وإنما يتعلق ذلك بما يكون من حال العبد الغني: شكرا أو بطرا، والفقير: صبرا أو جزعا.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير