تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

نصا، وإما استنباطا، ومن ذلك انتشر الخلاف بين أهل العلم في تعليل بعض الأحكام، تبعا لتفاوت الأنظار في استنباط ما لم يرد الدليل صراحة على اعتباره، فقد يعتبر عالم ما لا يعتبره آخر.

الشاهد أن الفقر وصف ذاتي في العبد: فلا يعلل، إذ حاله شاهد، على فقره الذي لا ينفك عنه من لحظة الإيجاد إلى لحظة الإعدام، فهو فقير إلى ربه كونا ليقيم بدنه: آلة التكليف، فقير إلى ربه شرعا ليقيم قلبه: مناط التكليف، فعقل الإدراك والانتفاع في القلب، على حد قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا).

وأما كل ما سوى ذلك من افتقار المحدَث إلى محدِث، والممكن إلى موجب، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، كل ذلك من أدلة الفقر والحاجة، أو من صور الفقر والحاجة، فليسا عين العلة وإنما هما من أدلتها، فالأصل الذي تتفرع عنه كل أوصاف الاحتياج إلى الرب، جل وعلا، هو: الفقر الذاتي غير المعلل في العبد، فلا ينفك عن حاجة إلى قوة عليا تدبر أمره بقدرة نافذة وحكمة بالغة، وليس ذينك الوصفين إلا لله، عز وجل، فهو وحده القادر على كل الممكنات، العليم بكل المآلات، الحكيم في كل المقدورات، فمهما أظهر العبد من وصف الغنى طغيانا، فإن حاله شاهد عليه بطلانا.

يقول ابن القيم، رحمه الله، حاكيا طرفا من أحوال ذلك العبد المستغني وهو بعين الفقر موصوف:

"فلما أَسبغ عليه نعمته، (أي: الرب جل وعلا على ذلك العبد)، وأَفاض عليه رحمته وساق إِليه أَسباب كمال وجوده ظاهراً وباطناً، وخلع عليه ملابس إِنعامه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وعلمه وأَقدره وصرفه وحركه، ومكنه من استخدام بنى جنسه، وسخر له الخيل والإِبل، وسلطه على دواب الماءِ، واستنزال الطير من الهواء وقهر الوحش العادية، حفر الأَنهار، وغرس الأَشجار، وشق الأَرض، وتعلية البناءِ، والتحيل على مصالحه، والتحرز والتحفظ لما يؤذيه، ظن المسكين أَن له نصيباً من الملك، وادعى لنفسه ملكاً مع الله سبحانه، ورأى نفسه بغير تلك العين الأُولى، ونسى ما كان فيه من حالة الإِعدام والفقر والحاجة، حتى كأَنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأَن ذلك شخصاً آخر غيره كما روى الإِمام أَحمد فى مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوماً فى كفه فوضع عليها إِصبعه ثم قال: (قال اللهُ تعالى: يَا ابن آدمَ أَنَّى تُعْجِزُنِى وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مثْلِ هَذِهِ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنَ وَللأَرْضِ مِنْكَ وَئِيد، فَجَمَعْتَ وَمَنْعْتَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتَ التَّراقى، قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ) ". اهـ

"طريق الهجرتين"، ص22.

فهو مستغن بعارية مستردة ليس له من ملكها إلا الانتفاع على جهة التأقيت لا التأبيد، فملكه لها: استخلاف على جهة الابتلاء، لا نيابة على جهة الإطلاق.

وذلك بخلاف:

"من عرف ربه بالغنى المطلق فعرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التامّ والحكمة عرف نفسه بالجهل، فالله سبحانه أَخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئاً ولا يقدر على شيء، ولا يملك شيئاً ولا يقدر على عطاءٍ ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء ألبتة، فكان فقره فى تلك الحال إلى ما به كما له أَمراً مشهوداً محسوساً لكل أَحد، ومعلوم أَن هذا له من لوازم ذاته، وما بالذات دائم بدوامها. وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إِلى رتبة الربوبية والغنى، بل لم يزل عبداً فقيراً بذاته إِلى بارئه وفاطره". اهـ بتصرف.

"طريق الهجرتين"، ص22.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[26 - 08 - 2009, 07:45 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير