تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

من أذاه إلا إذا كان عالما بإحاطة علم الرب، جل وعلا، به، ونفاذ قدرته فيه، فيحمله ذلك على الكف عن ظلم العباد وإذايتهم، إذ قد صح معلومه فصح معموله لزوما، فلا يتصور انفكاك العلم عن العمل، إذ لا بد للنفس من تصورات علمية سابقة: حسنة أو قبيحة بمقتضى ما جبلت عليه من الحركة والإرادة، وكل إناء بما فيه ينضح، فإن كان تصورها صحيحا كانت حركتها نافعة، والعكس، ولذلك لا تكون المعصية إلا عن جهل، إذ قد فسدت الصورة العلمية في الذهن، فتولد منها صورة عملية فاسدة في الخارج، فلما فسد الباطن الآمر فسد الظاهر المأمور لزوما. فمتى فسد تصور كمال الرب، جل وعلا، بإساءة الظن به، كما يقع غالبا في النوازل بلسان الحال أو المقال إلا من عصم الله عز وجل من تلك العقوبة فهي عند التحقيق أعظم إفسادا للحال من النازلة وإن عظمت، إذا فسد التصور: فسد العمل لزوما، فأي غفلة ترد على القلب حال اليقظة وجريان قلم التكليف: فرصة سانحة ينتهزها الشيطان للتلبيس على ابن آدم بصورة علمية فاسدة تعكر صفو القلب، سواء أكانت شبهة علمية تصيب القلب مباشرة، أم شهوة عملية يتذرع بها إلى إصابة القلب لاحقا على طريقة من ينتسف الزرع قبل اقتحام الحصن، إذ بانتسافه يقطع الميرة عن سكان الحصن فيستسلمون، ولو بعد حين، فليس شرطا أن يقع التسليم ابتداء بلا مدافعة، بل السنة الكونية على خلاف ذلك، فسقوط القلوب في براثن الكفر كسقوط الممالك في عالم الشهادة يستغرق وقتا في الإعداد والتجهيز ثم التنفيذ، ولن يسلم العبد، مع ضعف إيمانه، إلا بإمداد الرب، جل وعلا، له بالمؤن القلبية والعدد الإيمانية من أجناس الطاعات الظاهرة والباطنة التي يرمم بها حصونه فيسد ثغورها ويزيد في حرسها فلا يتمكن الشيطان من اقتحامها، وذلك أمر يلزم له دوام اللجأ إلى الباري، عز وجل، على حد الافتقار والتكرار بلا ملل أو كلل.

يقول الألوسي، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).

"والجملة جارية مجرى البيان للاستعاذة المأمور بها وأنه لا يكفي فيها مجرد القول الفارغ عن اللجأ إلى الله تعالى واللجأ إنما هو بالإيمان أولا والتوكل ثانياً". اهـ

فـ: "يا حى يا قيوم، برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله، و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين"، و: "ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام"، فألظوا بوصف بوصف الجلال ووصف الجمال، ألظوا بوصف الجلال في معرض المدافعة لكيد الشيطان بالاستعانة بمن له كمال التصرف في الأعيان والأفعال، وألظوا بوصف الجمال في معرض استنزال الرحمات التي يقي بها الرب، جل وعلا، من شاء من عباده، مصارع السوء، على حد قوله تعالى: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا)، فلما أراد به النجاة: أمدهم بمؤن الخوف: "إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا"، والصبر: "بِمَا صَبَرُوا"، فاستعملوها في سد الثغور وشحنها بالمقاتلة، فعلى قلوبهم حراس أشداء من سائر أجناس الصالحات باطنا وظاهرا، وذلك صراع لا ينتهي إلا مع خروج الروح وانقطاع التكليف، قدره الله، عز وجل، كونا، ليظهر به من آثار حكمته، ما تعجز العقول عن دركه، فسنة المدافعة بين الحق والباطل، بين القدر الكوني والقدر الشرعي، سنة جارية على الأفراد والجماعات، فهي ملازمة لكل حي حساس، تتجاذب قلبه الإرادات، فيستقم تارة ويزيغ أخرى، فلا بد له من الاستعانة ليستقيم والاستغفار ليرجع إذا زاغ، وبقدر المسارعة يكون استدراك ما فات، ولن يكون ذلك إلا باستعانة وكيس، على حد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "استعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل: قَدَّرُ الله وما شاء فعل".

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[12 - 11 - 2009, 09:10 م]ـ

قال ابن القيم رحمه الله:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير