تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وفي التوراة والإنجيل من محبة الله ما هم متفقون عليه حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس ففي الإنجيل أن المسيح قال: أعظم وصايا المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك وهم برآء من محبة الله إذ لم يتبعوا ما أحبه بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم وهو سبحانه يحب من يحبه لا يمكن أن يكون العبد محبا لله والله تعالى غير محب له بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له وإن كان جزاء الله لعبده أعظم كما في الحديث الصحيح الإلهي عن الله تعالى أنه قال: من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة.

وقد أخبر الله سبحانه أنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين ويحب التوابين ويحب المتطهرين بل هو يحب من فعل ما أمر الله به من واجب ومستحب كما في الحديث الصحيح: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به .......... الحديث

وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياء في الزهد والعبادة وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها ولو صدق لم يكن قائلها معصوما فيجعلون متبوعيهم شارعين لهم دينا كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم دينا ثم إنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن الخاصة يتعدونها كما يدعى النصارى في المسيح ويثبتون للخاصة من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه وإلى أنواع أخر يطول شرحها". اهـ

فجنس الغلو في الأشخاص والأحوال واحد إذ هو فرع عن تصور واحد يقدر فيه التابع المتبوع فوق قدره، فإذا استقر ذلك في وجدانه بني عليه من الأحكام العملية ما يظهر فساده بأدنى نظر، فضلا عن جفائه في حق الرب، جل وعلا، بقدر غلوه في غيره فالحكم مطرد منعكس.

فقد خلطوا بين المشيئة ولا تكون إلا كونية تتعلق بقدرته، والإرادة وتكون شرعية إذا تعلقت بمحابه ومراضيه جل وعلا، أو خلطوا بين نوعي الإرادة: الشرعية والكونية، إذ تجمعهما مادة الإرادة مطلقة في الذهن، فإذا ثبتت خارجه تعلقت بنوايا المريدين: فمن نوى خيرا ففعله جار على حد الإرادة الشرعية، ومن نوى شرا ففعله جار على حد الإرادة الكونية، فمعناها يقبل الانقسام بورود القيد اللفظي: الشرعي أو الكوني، فالتقييد بلفظ: "شرعي" يقصرها على محبوبات الرب، جل وعلا، ومراضيه، والتقييد بلفظ: "كوني" يشمل كل مرادات الرب، جل وعلا، سواء أكانت محبوبات أم مكروهات فالكل واقع بإرادة الرب، جل وعلا، وقوعه كونا.

يقول ابن القيم، رحمه الله، في "شفاء العليل":

"لفظ الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونية شاملة لجميع المخلوقات كقوله: (فعال لما يريد) وقوله: (وإذا أردنا أن نهلك قرية) وقوله: (إن كان الله يريد أن يغويكم) ونظائر ذلك. وإرادة دينية أمرية لا يجب وقوع مرادها كقوله: (يريد الله بكم اليسر) وقوله: (والله يريد أن يتوب عليكم) فهي مرادة بالمعنى الأول غير مرادة بالمعنى الثاني وكذلك إن قيل: هل هي واقعة بإذنه أم لا والإذن أيضا نوعان: كوني كقوله: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله)، و: ديني أمري كقوله الله: (أذن لكم) وقوله: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) ". اهـ

وورود القيد العيني: فإرادة زيد غير إرادة عمرو غير إرادة بكر ........... إلخ، وثبوت ذلك في حق المخلوق يلزم منه بقياس الأولى: الافتراق بين إرادة الرب، جل وعلا، وإرادة العبد، وإن جمعهما الكلي المشترك في الذهن إذ لا وجود له خارجه، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا، فهو الأصل الذي قرره المحققون من أهل العلم لإزلة الالتباس في هذا الباب بين: وصف الرب، جل وعلا، ووصف العبد، فما ثبت مطلقا في الذهن لا يثبت إلا مقيدا خارجه إلا على مذهب المناطقة الذين أثبتوا المثل الكلية المجردة خارج الذهن في مكابرة ظاهرة يردها العقل والحس، مع أنهم يدعون العقلانية فهي مادنهم

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير