الإعلامية الوحيدة لتسويق مقالاتهم.
وعطف الاستعانة على الحمد سواء أكان خبرا محضا أم أريد به إنشاؤه: من باب: "إياك نعبد وإياك نستعين"، فالحمد من أجناس العبادة، فبه تتعلق الأفعال الوجودية التي يوقعها العبد على حد الرغبة الباعثة على العمل، كما أن الإجلال من أجناس العبادة، فبه تتعلق الأفعال التركية التي يتركها العبد على حد الرهبة الباعثة على الكف، وكلاهما، كما تقدم، لا يكون إلا باستعانة.
وقوله: "َمنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضَلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِى لهُ": جار مجرى المقابلة استيفاء لأوجه القسمة العقلية في معرض التوكيد على عموم مشيئته، عز وجل، فهو من باب المدح بوصف الجلال، إذ تقليب القلوب: هداية أو إضلال، مئنة من قدرة مقلبها، فإرادات العباد تبع لمشيئته النافذة، فإن شاء هدى فضلا، وإن شاء أضل عدلا، فيكون هذا العطف بمنزلة التذييل بالجواب عن سؤال مقدر في الأذهان: ولم نستعين به جل وعلا؟، وجوابه: لأن الهداية والإضلال بيده، فـ: "َمنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضَلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِى لهُ"، فذلك من عطف السبب على مسبَّبِه، وعطف ذلك على الاستعانة التي تتعلق بالمشيئة أو الإرادة الكونية النافذة مما يلائم السياق فكلٌ مئنة من وصف جماله وجلاله عز وجل فالاستعانة لا تكون إلا بقدير حكيم، يعين بقدرته فذلك وصف الجلال، ويدبر بحكمته فذلك وصف الجمال، والهداية والإضلال لا تكون إلا لقدير حكيم، يهدي ويضل بقدرته، ولا يكون ذلك إلا لحكمة بالغة.
ثم ذيل بالشهادتين: فبعد الثناء بأوصاف الربوبية: جاء التذييل بلازم ذلك من العبودية، وأول واجباتها بل الشرط الذي لا تصح إلا به، وهو إفراده جل وعلا بالإلهية والشهادة لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرسالة، فالأول: توحيد المرسِل، والثاني: توحيد المرسَل.
والله أعلى وأعلم.
ـ[مهاجر]ــــــــ[17 - 11 - 2009, 01:44 ص]ـ
يقول ابن القيم رحمه الله:
"وفى صحيحه، (أي: صحيح مسلم)، أيضاً عن زيد بن أرقم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللَّهُمَ آت نَفْسِى تَقْوَاهَا، وَزَكِّها أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا) ". اهـ
فآتها تقواها بإرشادها إلى أسباب الهداية، فتلك الهداية العامة، هداية إلهام التقوى في: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) وقد تحمل على الهداية الخاصة لقرينة ذكر الفجور فتكون من الحكم الكوني على المتقي بالتقوى فضلا وعلى الفاجر بالفجور عدلا، وبتيسير أسباب الاستقامة والثبات عليها فتلك الهداية الخاصة، ففيه توسل بوصف الربوبية إلى لازمها من التأله له بمباشرة أسباب التقوى، فيسر لي أسباب الهدى، ويسر لي مباشرتها بإرادة لا تخرج عن خلقك، فإن شئت خُلقت في فضلا، وإن شئت عُدمت في عدلا، وفعل هو، أيضا، من خلقك، فمباشرة الأسباب: ألوهية والإقدار على ذلك: ربوبية.
وَزَكِّها: فليس الذكاء بمنج صاحبه حتى يتوج بالزكاء، والعقل وإن أدرك مجملات التوحيد، والتحسين والتقبيح ............ إلخ، إلا أنه عاجز عن تقريرها على حد التفصيل الذي لا يتلقى إلا من النبوات التي تزكي العقول بنورها، فلا تعارض صريح قياسها، بل تستوزره نصرة لمقرراتها، فالعقل الصريح وزير النقل الصحيح، يقيم من الحجج والبراهين على صحة ولايته ما يرسخ سلطانه على الأديان والأبدان، فلا تتلقى أحكام الأديان إلا من النقل، ولا يحكم على بدن بإبقاء أو إفناء إلا بحكم الشرع، فالأصل في الدماء: الحرمة، إلا ما نص الشارع على إهداره وفي التنزيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)، و: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).
والتقوى تنصرف ابتداء إلى الكف متعلق وصف الجلال، إذ لا يترك العبد مكروهات الرب، جل وعلا، إلا إذا استحضر أوصاف الجلال فمنها يرهب.
والتزكية تنصرف ابتداء إلى الفعل متعلق وصف الجمال، إذ لا يفعل العبد محبوبات الرب، جل وعلا، إلا إذا استحضر أوصاف الجمال ففيها يرغب. فاستوفى السياق أحوال العبد كلها: الوجودية فعلا، والعدمية تركا.
وعلة ذلك: أنت وليها ومولاها: فلك عليها الولاية الكونية العامة، ولك منها الولاية الشرعية الخاصة، والقصر ادعائي إمعانا في تقرير الولاية الربانية، إذ قد ثبتت الولاية لغيره جل وعلا، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، وقد يقال بأنه حقيقي إذ لا تكون الولاية إلا له أو فيه، فلا تنفك ولاية الأنبياء والصديقين عن ولاية له، بل هي الباعثة على ذلك ابتداء، فإن العبد الكامل لا يعقد ولاءه وبراءه إلا تقريرا لذلك المعنى فيوالي في الله حبا، ويبرء فيه بغضا.
والله أعلى وأعلم.
¥