ـ[مهاجر]ــــــــ[18 - 11 - 2009, 01:02 ص]ـ
يقول ابن القيم رحمه الله:
"وفى صحيحه أيضاً عن علي، رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم فى دعاءِ الاستفتاح: (اللهم اهْدِنِى لأحْسَنِ الأَخلاق، لا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَ الأَخْلاقِ، لا يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئهَا إِلا أَنْتَ) ". اهـ
ص101.
فذلك من علو همته صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يسأل ربه، عز وجل، إلا أرفع المنازل، فيسأله من الجنة فردوسها، ومن الأخلاق أحاسنها، والسياق على ما تقدم مرارا من المقابلة بين المتضادات استيفاء لأجزاء القسمة العقلية مئنة من كمال الربوبية، وكمال افتقار العبد إلى ربه، عز وجل، جلبا للنافع، أو دفعا للضار ابتداء أو رفعا له إن وقع فيستعين بالسبب المشروع على رفع المقدر المكتوب على حد التعليق فذلك مما يدفع، فتكون عاقبة أمره: تأويل المقدر المكتوب في اللوح المحفوظ على حد الجزم فلا يتغير ولا يتبدل.
فـ: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق": هداية خاصة، تزيد على ما تقرر مرارا، من هداية الإرشاد، وإن كانت في حد ذاتها نعمة تستحق الشكر، فكم من نفوس رغبت في الهداية فحجبت عنها أسبابها، أو خفيت عنها أعلامها، مع كمال الآلة العقلية والبدنية، فاقتضت الحكمة الربانية ذلك، ولو لم يكن في ذلك إلا ظهور آثار ربوبيته في عباده: هداية وإضلالا لكفى الناظر المتدبر، فيحمله ذلك، إن كان من أهل الديانة أن يجتهد في تحصيل أسباب الشرع مستعينا بأسباب الكون، ويحمله، إن كان من أهل الغواية أن يتوب ويرجع إلى جادة الفطرة التوحيدية والشريعة الإيمانية، فالعبد متقلب في مراضي الرب، عز وجل، ومساخطه، بمقتضى قدرته الكونية النافذة وحكمته الربانية الباهرة، فـ: "يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيَعْصِمُ وَيُعَافِي فَضْلًا. وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَخْذُلُ وَيَبْتَلِي عَدْلًا"، كما نص الطحاوي، رحمه الله، في عقيدته.
فَحَسَنُ الأخلاق قد جرى فيه قدر الرب، جل وعلا، فضلا، فأعطي من أسباب الخير ما يطمعه في وعد الرب، عز وجل، متعلق وصف جماله، وسيئ الأخلاق قد جرى فيه قدر الرب، جل وعلا، عدلا، فجبل على أسباب من الشر تجعله أهلا لوعيد الرب، جل وعلا، متعلق وصف جلاله، وتلك أصول مطردة في كل نصوص الوعد والوعيد:
فالأسباب كلها منه ايتداء، فهو خالقها، والعبد فاعلها.
وهي على ضربين:
أسباب خير من فضله، يصير مباشرها محلا قابلا للوعد متعلق وصف جمال الرب، جل وعلا، فذلك خبر عن حاله إنشاء للحض على سلوك طريقته.
و: أسباب شر تجري بمقتضى عدله، يصير مباشرها محلا قابلا للوعيد متعلق وصف جلال الرب، جل وعلا، إن كان فيها ما ينقض التكليف، فذلك خبر عن حاله إنشاء للحض على اجتناب طريقته.
والتذييل في كلا الشقين جاء بأقوى أساليب القصر: النفي والاستثناء، فضلا عن كونه مفصولا عن سابقه لشبه كمال الاتصال بينهما إذ قد نزل منزلة العلة لما قبله، أو الجواب عن سؤال مقدر حذف لدلالة السياق عليه: فما علة طلب الهداية من الله، عز وجل، فجاء الجواب: "لا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ"، وهو من جهة أخرى: توسل بوصف الربوبية ذيل به دعاء الألوهية، فإن طالب الأخلاق الحسنة لا يطلبها إلا تألها، فناسب ذلك أن يتزلف إلى ربه، على طريقة: ليس لي رب سواك، فلا يقدر أحد على إجابة دعائي وتزكية أخلاقي إلا أنت، إذ ذلك شأن قلبي، لا سلطان فيه لإنسي أو جني، بل القلب قد علق بين أصبعيك، فإن شئت أقمته فضلا وإن شئت أزغته عدلا، فذلك جار على ما اطرد مرارا من التذييل بالربويبة على الألوهية: تذييل علة على معلولها، أو العكس، والغالب الأول، إذ يرد الأمر بالتأله، فتتشوف النفس إلى معرفة علته، فيجيء الجواب بوصف الربوبية المستلزم لكمال إفراده، عز وجل، بالألوهية.
يقول ابن القيم رحمه الله:
"وفي الترمذي والمسند، (وهو مسند أحمد رحمه الله)، من حديث عمران بن حصين أن النبى صلى الله عليه وسلم علم أباه هذا الدعاء: (اللُّهُمَّ أَلْهِمْنِى رُشْدِى، وَقِنِى شرّ نَفْسِي) ". اهـ
¥