تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وقول الفرزدق:

إن الذي سمك السماء بنى لنا ******* بيتا دعائمه أعز وأطول

فمعنى قوله: أعز وأطول: عزيز وطويل.

وقال أرطأة بن المنذر رحمه الله: "لأن يكون ابني فاسقا من الفساق، أحب إلي من أن يكون صاحب هوى".

وقال أبو إسحاق الفزاري رحمه الله: "لأن أجلس إلى النصارى في بيعهم، أحب إلي من الجلوس في حلقة يتخاصم فيها الناس في دينهم".

وقال سعيد بن جبير رحمه الله: "لأن يصحب ابني فاسقا شاطرا سنيا، أحب إلي من أي صحب عابدا مبتدعا".

وقال أبي إدريس الخولاني رحمه الله: "لأن أرى في المسجد نارا تضطرم، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا تغير".

فليس المقصود حب الخصال الأولى، وإنما المقصود المبالغة في ذم مجالسة أهل البدع والأهواء.

والشاهد أن ابن مسعود، رضي الله عنه، ضرب المثل بذلك، إمعانا في تنفير السامع، ولعله اختار القبض على الجمر لما يحدثه في النفس من ألم ولوعة، تماما كما يجد كل معترض على القدر في نفسه، ولو كان الأمر صغيرا لا يؤبه له، فإن جنس الاعتراض على القضاء والقدر فيما نزل من الأقدار النافذة، مادة توقد بها نيران الحسرات في القلوب كما توقد النيران في الجمر، فتجد النفس التي حوته ما تجد اليد التي حوت الجمر، فالصورة المحسوسة قد استعملت في بيان الصورة المعقولة لتقريب المعنى إلى الأذهان.

ولا يصلح ذلك شاهدا لمقالة الجبرية، لما قد علم من حال الصحابة رضي الله عنهم من استفراغ الوسع وبذل الجهد في تحصيل أسباب الشرع والكون، فليس ذلك استسلاما للقدر على طريقة أهل الجبر في القعود وعدم الأخذ بالأسباب الدافعة والرافعة للنوازل الشرعية والكونية، فيعطل الأمر الشرعي بالاحتجاج بالأمر الكوني، كما تقدم مرارا، وإنما الموفق من توكل على الله، عز وجل، أولا فلم يهمل شق الربوبية: شق: "إياك نستعين": فالتوكل يرجع في حقيقته إلى الاستعانة بالله، عز وجل، فصاحبه قد طلب المدد الرباني من صفات جلال الرب، تبارك وتعالى كقدرته، ليهبه قدرة مخلوقة فيه يباشر بها الأسباب فإنه لا حول ولا قوة له إلا به، ولا حراك لقلبه بأجناس الإرادات النافعة، أو بدنه بأجناس الأعمال الصالحة، لا حراك لهما إلا أن يشاء الله، عز وجل، حراكهما، بل لا تؤدي خلية واحدة في جسده وظائفها الحيوية إلا بكلمة كونية نافذة، فلو توفرت لها كل المواد النافعة بعد هضمها وخلقت فيها كل قوى البناء والهدم ما استطاعت التمثيل الغذائي إلا بإرادة الرب، جل وعلا، ذلك.

وذلك شق كما تقدم مرارا لا دخل للعبد فيه ليشغل نفسه به إذ ليس في مقدوره ليدخل في حد التكليف فعلمه بالمآلات أو كتابته لها أو مشيئته أو خلقه للأفعال، ولو فعله الذي يباشره، أمر غير متصور إلا عند من لم يقدر الرب، جل وعلا، قدره، فنفى علمه، أو مشيئته وخلقه، فجعله عاجزا، وجعل العبد هو القادر على خلق فعله لمجرد أنه قد شرع في مباشرة أسبابه، فخلط بين الفعلين وقد فصل بينهما التنزيل: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). وقدرة الرب، جل وعلا، في إنفاذ الأقدار، وحكمته في ترتب المسبَّبات على أسبابها أجل من أن يحيط بها عقل الإنسان القاصر الذي ركب ليفهم خطاب الشارع فيمتثله تصديقا لخبره وتأويلا لحكمه إن أمرا فبالفعل، وإن نهيا فبالترك. فالأجدر به أن يلتفت إلى ذلك فلا يهمل شق الألوهية الذي يتعلق به تكليفه: شق: "إياك نعبد": فيبذل السبب، والسبب في يده لا في قلبه، فيبذله والقلب قد تعلق بخالقه ومجريه على ما اقتضته سننه الكونية المحكمة، فلا يعلق قلبه بالسبب المخلوق، فإن من تعلق بشيء وكل إليه، وكم تعلق بشر ببشر برسم المحبة فكانوا لهم أرقاء وإن كان ظاهرهم السيادة والرياسة، وكم تعلق بشر ببشر فكان مستند كثير منهم في أي نازلة: قرابته لفلان أو فلان من المتنفذين ولو كان من أكابر المجرمين أو المترفين الذين فسقوا في قرى المسلمين فلم يسلم من شؤم معاصيهم صالح أو طالح، فهو عام لا مخصص له على رسم: "يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ".

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[26 - 11 - 2009, 09:19 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير