تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

"وذكر عنه، (أي: عن علي رضي الله عنه)، أيضاً أَنه قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقيناً غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أَخطأَه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله". اهـ

ص102.

فلن يخلص الإيمان إلى القلب في هذا الباب الجليل إلا إذا آمن العبد وتيقن يقينا غير ظن، فإن الظن سواء حمل على معناه القرآني الذي يرد غالبا في معرض الذم، باستثناء مواضع من قبيل: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ) فإنه محمول على العلم اليقيني، وليس ذلك مراد علي رضي الله عنه في هذا الموضع، أو حمل على المعنى الاصطلاحي الحادث الذي يعني إدراك الطرف الراجح في مقابل الطرف المرجوح فيكون مقابلا للشك، فهو على الاصطلاح القرآني: مرادف للشك إلا في مواضع يراد به فيها العلم كما تقدم، وعلى الاصطلاح الأصولي الحادث: مقابل للشك الاصطلاحي الذي يراد به إدراك الطرف المرجوح في مقابل الطرف الراجح، وكلاهما لا يصلح به عقد إيمان يقيني في باب كباب القدر الذي هو أحد أركان الإيمان، فلا بد من التصديق والإقرار الجازم ولا ينفك هذا الإقرار عن أثر إيماني عملي يظهر في أعمال القلوب من صبر فهو أدنى الدرجات عند وقوع النوازل، ومن وفق إليه فقد وفق إلى خير عظيم فليحمد الله أن ألهمه الصبر فلم يجزع أو يتسخط عند وقوع النازلة بل حبس نفسه عما يغضب الرب، جل وعلا، بلسان مقاله أو حاله، فلا يعارض ذلك ما يجده الإنسان من الحزن عند وقوع النازلة فإن ذلك شعور إنساني جبلي لا ينفك عنه أي إنسان حساس متحرك، فالأمر المفرح يفرحه فيحس بخفة ونشاط، والأمر المحزن يحزنه فيحس بثقل وكسل، ولا يلام العبد على ما يرد عليه من ذلك بمقتضى الجبلة الأولى، فهو أمر كالغضب، يرد على الخاطر ورودا قهريا لا يستطيع المكلف رده، وما كان كذلك فلا يؤمر العبد بمنعه ابتداء، فهو بمنزلة من أمر بمنع الموت أو أي عارض كوني قهري نزل به، وذلك محال لا يَرِد التكليف به في الشريعة الحنيفية السمحة، وإنما يؤمر العبد بمدافعته إذا نزل فيحبس قلبه عن التسخط ولسانه عن النطق بما يغضب الرب، جل وعلا، على حد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون"، وجوارحه عن اقتراف ما يغضبه جل وعلا من شق ثوب أو لطم رأس أو وجه أو حلق شعر .......... إلخ، فالبكاء باب والنياحة باب آخر، وهو مع ذلك مأمور بأن يستدفع ذلك العارض ببذل الأسباب الرافعة له، فما سبق من باب امتصاص الصدمة الأولى، إن صح التعبير، فيأتي بعدها تلقائيا محاولة رد العدوان وإزالة آثاره ببذل أسباب ذلك، فالمغضب يتحول عن مكانه، أو يغير هيئته من وقوف إلى جلوس، أو اضطجاع إن كان جالسا، ويتوضأ ليطفئ حرارة الغضب، ويذكر الرب، جل وعلا، حتى يزول الوسواس الآمر بالتمادي طلبا لزلة المغضب، ومن منا يفعل ذلك إذا أغضبه أحد؟!، ولا يمنع عدم الامتثال من تكرار التذكير توكيدا، فهو من إدمان طرق الباب لعل الله عز وجل أن يفتح لنا بابا من طاعته فيطفئ جذوة غضبنا عند اشتعالها، ويصبرنا عند ورود النازلة الكونية التي لا حيلة لنا في ردها، ويعيننا على بذل الأسباب الشرعية والكونية لرفعها إن كان لذلك سبيل والمسدد من سدده الله، عز وجل، والمثبت من ثبته، ولا يكون ذلك إلا بمباشرة أسباب السداد والتثبيت فإن الرب، جل وعلا، قد أقام كونه وشرعه على نواميس محكمة فلا ينال مطلوب شرعي أو كوني إلا ببذل سببه، فالأمر كما تقدم مرارا: إرادة رب خالقة، وإرادة عبد فاعلة، فلا يشغل العبد نفسه إلا بما يقدر عليه فإنه لا يقدر على رد النوازل إذ هي من قدر الرب جل وعلا الكوني النافذ فلا راد له، ولكنه يقدر على مباشرة ما أمر به مما يطيقه من التكليف الذي لا يكون إلا بممكن يقدر على إيقاعه فذلك من رحمة الرب الرحيم الكريم جل وعلا: رافع الآصار، فيباشر ما يقدر عليه من حبس النفس عن التسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن أفعال الجاهلية الأولى، فأثر الإيمان، كما تقدم، لا بد أن يعم القلب واللسان والبدن، فلا يوجد إيمان مجرد عن تكليف عملي، ولا يوجد مؤمن بالقدر قد صدق به، ثم هو قد نقض بحاله القلبي واللساني والبدني

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير