تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

: إقرارَه، فتلك معرفة لا إقرار جازم، إذ لو كان جازما فلا بد أن يتولد عنه أثر ظاهر، وذلك أمر معلوم بالحس والفطرة قبل النقل والعقل، فهو من العلم الضروري الذي يحسه كل منا في نفسه فلا يفتقر إلى استدلال نقلي أو نظر عقلي.

وبعد أن خص، رضي الله عنه، بقوله: "أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أَخطأَه لم يكن ليصيبه "، عم بقوله: "ويقر بالقدر كله"، فالقدر أعم من النازلة الكونية الخاصة فمنه مراتب يلزم العبد أن يؤمن بها إجمالا، ومنه قدرشرعي يلزم العبد امتثاله فليس كله كونيا متعلقا بفعل الرب، جل وعلا، بل منه الشرعي الذي يتعلق بفعل العبد، بل لا تنفك نازلة كونية خيرا كانت أو شرا عن تكليف شرعي، فللفرح أحكامه من شكر وحمد، وللحزن أحكامه من صبر ورضا إن كان العبد من أصحاب المراتب العالية فجاوز قنطرة الصبر إلى ضفة الرضا، بل لكل عارض كوني جبلي من جوع وعطش وحاجة إنسان ونوم .......... إلخ حكم شرعي فإن العبد لا يستطيع أن يحيى بلا شرع في نفسه يضبط به عاداته الجبلية بما يتواءم مع صريح المعقول وسوي المفطور، فذلك مما أجمع عقلاء الأمم على جملته، وإن اختلفوا في تفصيله، فقد أجمعوا، على سبيل المثال، إلا من فسدت فطرته على حسن الستر وقبح العري، فذلك أمر مجمل يتفاوتون في تقديره تبعا لما يضبط حياتهم من النواميس فمن كان ناموسه إلهيا، فهو آكد تلك النواميس ملائمة للفطرة الكاملة، فحاله من الستر أكمل حال إذ قد صادفت الفطرة الأولى التي تستقبح العري: وحيا إلهيا يزكيها فجاء فعل المكلف في نفسه أجمل فعل إذ لا أحسن ولا أكمل من الفعل الجاري على سنن الشرع الحاكم، ومن كان ناموسه أرضيا أو عرفيا بحكم المجتمع الذي يعيش فيه فإنه لا ينفك إن كان من جملة الآدميين!، عن استقباح للعري واستدفاع له بالتستر، ولكن تستره أنقص إذ ناموسه ليس على ذات القدر من كمال الناموس الإلهي، فالمرأة في المجتمعات الأقل تدينا تستبيح كشف ما لا تستبيحه المرأة في المجتمعات المتدينة، وبقدر القرب من الدين الصحيح يكون التستر وبقدر البعد عنه يكون التعري، حتى نصل إلى طرفين متقابلين: تستر إنساني كامل على منهاج النبوة، فهو أثر من آثار بركتها الظاهرة على الأبدان وذلك حال المجتعمات التي تقيم شرع الرب، جل وعلا عموما، والأفراد الذين يقيمون شرع الرب جل وعلا في أنفسهم وفيمن ولوا عليه من الزوجات والبنات والأخوات إن كان له عليهن ولاية بغياب الأب أو وفاته، فهذا طرف، وفي مقابله: تعري حيواني كامل على منهاج البهائم وإن كان صاحبه معدودا في جملة الآدميين من الناحية التشريحية!، وذلك أمر مشاهد في المجتمعات البدائية أو على شواطئ العراة التي يرتادها أبناء حضارات تزعم أن لها الريادة الإنسانية في العصر الحاضر لمجرد تحصيلها طرفا من المدنية والتكنولوجيا الحديثة وهي مع ذلك لو أنصفت مدينة بالفضل في ذلك لأصحاب الحضارة الإنسانية المتكاملة: دينا ودنيا، وهم المسلمون أيام عزهم بتمسكهم بالوحي المنزل لا المسلمون في الأعصار المتأخرة والحالية، والشاهد أنه كلما قوي الدين وظهرت أعلام النبوة في أرض زادت معالم الإنسانية فيها، وكلما ضعف وخفيت أعلام النبوة زادت معالم البدائية بل الحيوانية فيها فالدين قرين الإنسانية المتحضرة، والإلحاد قرين الهمجية المتخلفة، لا كما يزعم الملاحدة والعلمانيون بأن التدين مظهر من مظاهر التخلف والرجعية فهو، بزعمهم أدنى درجات السلم الإنساني.

وبين هذين الطرفين ما لا يحصيه إلا الله، عز وجل، من المراتب كمالا إذا اتجهنا إلى أعلى حيث ثم نبوة، ونقصانا إلى أسفل حيث ثم لا نبوة، وقس على ذلك كل سلوك إنساني، وذلك دليل فطري آخر من أدلة زيادة الإيمان كمالا بالاقتراب من النبوات ونقصانا بالبعد عنها.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[28 - 11 - 2009, 09:03 ص]ـ

قال ابن القيم رحمه الله:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير