تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

"وقال الأعمش عن [خيثمة، (أبو نصر، كما ذكر محقق النسخة التي أنقل منها وقد نقل أيضا تليين الحافظ، رحمه الله، في "التقريب") عن] ابن مسعود: إنَّ العبد ليهمّ بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له، نظر الله إليه من فوق سبع سمواتٍ فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن يسرته له أدخلته النار. قال: فيصرفه الله عنه، قال: فيقول: من أين دهيت؟ أو نحو هذا وما هو إلا فضل الله [عز وجل] ". اهـ

فالله، عز وجل، أعلم بحال العبد، فإنه يبذل أسباب دين أو دنيا، وهو يظن أن نجاته فيها، فيصرفه الله، عز وجل، عنها، لأن عطبه فيها، فكم طلب العلم أناس لم يحرروا نواياهم فكان طلبهم لسبب النجاة هلكة لهم، لا لأن السبب في نفسه فاسد، ولكن لأن المحل غير قابل، وكذلك سبب الدنيا، ففيه الأمر أظهر، فإن النفوس غالبا ما تبذل في سبيل تحصيل أسباب الدنيا من علم نافع في أصله، فيصير بالانكباب عليه وجعله غاية لتحصيل عرض الدنيا سبب هلاك مع كونه، أيضا، في نفسه صالحا، ولكن المحل لم يتحل بالإخلاص الواجب الذي يصير كل عمل عبادة، ففسد حاله من حيث أراد صلاحه، وانظر إلى رجل سياسة بذل ما بذل ليعتلي العرش ثم هو يوم القيامة: في دركات مع أنهم رام درجات، ولكنه أتي من قبل جهله، ففساد قوته العلمية قد ضيع عليه دنياه فلم يهنأ برياسته وإن كان ظاهره العظمة وأبهة الملك، وانظر إلى أبي مسلم الخراساني وقد قتل 600000مسلم ليصل إلى غايته من الملك والرياسة، فسلط الله، عز وجل، عليه داهية بني العباس أبا جعفر المنصور فسفك دمه وبدد أمله الذي سفك ما سفك من الدم الحرام ليبلغه، وانظر إلى أبي عبد الله الشيعي: داهية العبيديين الذي أقام للمهدي العبيدي ملكه، فكان جزاؤه أيضا: أن سفك دمه، وانظر إلى من آتاه الله، عز وجل، طرفا من آياته فـ: (مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وذلك وإن كان خاصا باعتبار سبب نزوله إلا أنه عام باعتبار لفظه ومعناه، ولذلك عمم بعدها بقوله: (سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ)، كما أشار إلى ذلك البغوي، رحمه الله، فقد بذل سبب الدين طلبا للدنيا، وذلك عين السفه، إذ قد وضع الشيء في غير موضعه، فإن الدين لا يبذل سببه إلا طلبا للنجاة في دار الجزاء لا تحصيلا لعرض في دار الفناء، ولا يمنع ذلك من حصول عرض الدنيا: تبعا لا أصلا، فكم من العلماء قد جمع الله، عز وجل، لهم بين الدين والدنيا، فكانوا أتقياء أثرياء فهم من الصنف الأول في حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه، وأبو حنيفة وأبو يوسف والنسائي وابن أبي زيد القيرواني وغيرهم كثير خير شاهد على ذلك.

وقصة فالوذج هارون الرشيد وأبي يوسف، رحمهما الله، خير شاهد على ذلك، كما أوردها صاحب "تاريخ بغداد"، رحمه الله، وفيها قول أبي يوسف:

"توفي أبي إبراهيم بن حبيب وخلفني صغيراً في حجر أمي فأسلمتني إلى قصار أخدمه فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار وكان أبو حنيفة يعني بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك! هذا صبي يتيم لا شيء له وإنما أطعمه من مغزلي وآمل أن يكسب دانقاً يعود به على نفسه فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء هذا هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق فانصرفت عنه وقالت له: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك!. ثم لزمته فنفعني الله بالعلم ورفعني حتي تقلدت القضاء وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته فلما كان في بعض الأيام قدم إلي هارون فالوذجه فقال لي هارون: يا يعقوب كل منه فليس كل يوم يعمل لنا مثله فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق فضحكت فقال لي: مم ضحكت؟ فقلت: خيراً أبقى الله أمير المؤمنين قال: لتخبرني - وألح علي - فخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعجب من ذلك وقال: لعمري إن العلم ليرفع وينفع ديناً ودنيا وترحم على

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير