تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه". اهـ

وأبو حنيفة، رحمه الله، هو: أبو حنيفة!، رجل أحست استثمار ماله في مشاريع علمية من عيار أبي يوسف فذهب إلى ربه مرضيا، ولا نزكيه على ربه، وبقيت آثاره وآثار استثماره في البرية إلى يوم الناس هذا وإلى ما شاء جل وعلا.

فصدقت فراسة الإمام الأعظم، رحمه الله، في تلميذه الأقرب والأعلم، فهو المجتهد المطلق وإن نسب إلى الأصل الطيب الذي خرج منه، فنسبته نسبة المجتهد المطلق إلى إمامه، صدقت فراسه أبي حنيفة في أبي يوسف، فنال من الدنيا حظا وافرا، وهو مع ذلك من أهل الديانة الوافرة، وليس ذلك إلا في عصر يكون الخليفة فيه هارون، فاليوم لا هارون يحكم ولا أبا يوسف يقضي، فاعتزال السلاطين عصمة في الدنيا والدين، فحالهم قُلَّب، يرضون فيرفعون الرءوس، ويسخطون فيطيرونها، فهدا فساد دنيا من صحبهم وأمن غدرهم، وكثير منهم لصوص متنكرون يرومون سرقة دين العلماء بما يزينون لهم من المناصب والرياسات، فهذا فسادههم في الدين، فمن يأمن على نفسه مجالسة قوم هذا نعتهم بل هو وصفهم اللازم فلا ينفك عنهم إلا من رحم الرب، جل وعلا، وقليل ما هم!.

ولا يعني ذلك القعود عن تحصيل الأسباب كما يسول الشيطان لمن بذل سبب صلاح في دين أو دنيا، ليترك ما هو فيه من خير فيوسوس له بحبوط عمله، وما أدراه أن الله، عز وجل، سيحبط عمله، أطلع الغيب؟!، فليس له إلا أن يبذل السبب ويحسن الظن بربه، عز وجل، فإن الحجة لا تصير صحيحة إلا إذا كانت معلومة، فكيف يحتج مدع بما لا يعلمه؟!، ولو فعل ذلك أمام قاض من قضاة الدنيا لرد شهادته، بل ربما اتهمه في عقله إذ لا يدري ما يقول أصحيح هو أم باطل؟!، أكائن هو أم غير كائن، ولك أن تفرض: رجلا ادعى على رجل أنه سيقتله غدا فلا بد من القصاص منه اليوم على عمل لم يرتكبه بعد، فهذا حكم قاطع عليه بما لم تقترفه يده بعد!، فكذلك من حكم على عمله بالحبوط، فأساء الظن بربه، عز وجل، فهو يصدر حكما جازما على عمله، ولما يعمل بعد، فيتركه قبل أن يشرع فيه لتيقنه من حبوطه!، وليته أحسن الظن بربه، عز وجل، فتوكل عليه ابتداء على حد الاستعانة، ثم شرع في السبب على حد العبادة، فذلك حال المسددين ممن ثبت الله، عز وجل، أقدامهم على طريق الهداية.

والمصروف عن سبب هلاكه لا يدرك عظم المنة الربانية والعناية الإلهية التي استنقذته من تلك البلية، فتراه يتسخط على ما فاته، وما هو إلا فضل الله، عز وجل، أن صرف عنه سبب عطبه!، ثم لا يلبث أن يدرك بعد حين أن الله، عز وجل، قد صنع له سبب نجاة، ولكن بعد فوات الأوان، إذ قد حرم أجر المصيبة حال وقوعها، وإن لم يعدم منها خيرا لاحقا، وكم صبر من ابتلي بفقد حبيب، فكان بعد فقده خيرا من ذي قبل، بل كان ضالا فهداه الله، عز وجل، إذ ذكره بلقائه، فمضى الحبيب إلى ربه مرحوما، وبقي الصابر المتنبه من غفلته بما نزل به من بلية نادما على ما فات محسنا فيما هو آت، وصبر ساعة المصيبة: عز الدنيا والآخرة، ولكن من يقدر عليه فيحسن الظن بربه، عز وجل، في ساعة حالكة فتشرق في سماء قلبه شمس اليقين والرضا، فيبدله الله، عز وجل، من ألمه، راحة أبدية في دار السعادة الأبدية، فحده التأبيد: زمانا ومكانا، فلا يتحول عن دار المقامة، ولا ينقطع عنه مددها، فضلا عن عطاء الصبر العاجل، فحلاوته قد ذاقها من أيده الله، عز وجل، بالصبر حال الابتلاء.

وقد وقع لي طرف من ذلك في بداية دراستي الجامعية من نحو 13 سنة، فكان السخط آنذاك شعاري ودثاري لحداثة العمر وضحالة العلم وفساد العمل ثم مضت سنون ظهر لي بعد فوات أجر الصبر والاحتساب أن الخيرة فيما اختاره الله، عز وجل، بقدره الكوني النافذ، وهو أمر شائع في جيلنا إذ فساد التصور بجعل الأسباب غايات هو الذي أوقع كثيرا منا في التبرم والسخط فإن لم يحصل المراد ذهبت بنا الظنون بالباري، عز وجل، كل مذهب، وما ذاك، كما تقدم، إلا لضعف القوة العلمية وفساد القوة العملية، والله، عز وجل، يتجاوز عن الزلات، ويعفو عن السيئات، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير