تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وما ظنك برب ينظر من فوق سماواته في أمر عبد بعينه ليصرف أمره على ما فيه نجاته فيصنع له، ولو علمها أحدنا من ملك أو أمير، لطار قلبه فرحا، ثم استقر طمأنينة فحاجته مقضية، فكيف إذا كان الناظر رب البرية.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[30 - 11 - 2009, 08:37 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

"وذكر الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضاً شديداً، وأغمي عليه وأفاق فقال: أغمي علي؟ قالوا نعم قال إنه أتانى رجلان غليظان فأخذا بيدى فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين فانطلقا بى فتلقاهما رجل فقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين فقال: دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعاده وهو فى بطن أمه".

ص102، 103.

فتلك من الرؤى التي يعتضد بها فليست أصلا يحكم به على صاحبه فلولا ورود الخبر قبل ذلك من في المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنجاة عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، إذ هو من العشرة المقدمين في حزب النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لولا ورود الخبر بنجاته ما جزم به، وإن كان من أهل العلم من وسع في الأمر فجعل ثناء العدول على المتوفى مئنة من نجاته في نفس الأمر، فهو على أقل تقدير، قرينة ترجح حسن الظن أيما رجحان، ومنهم من ضيق كما أثر عن محمد بن الحنفية، رحمه الله، إذ قصر ذلك على الأنبياء عليهم السلام لوصف العصمة الذي انفردوا به.

وقد اختار الرجلان وصفان للرب عز وجل: العزيز الأمين يجمعان على ما اطرد في سياق مدح الرب، جل وعلا، الجلال فالعزة مئنة منه، والجمال فالأمن مئنة منه، فهو عزيز ينتقم من عصاته فينفذ فيهم عدله، وذلك باعث للخوف في نفوس عباده فيرهبون من ذلك وصفه، فهو شديد العقاب لا يخشى العصاة ظلمه، فـ: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، فلا حاجة له فيهم ولا مطمع له فيما أيديهم، وإنما يخشى العقلاء العلماء عدله، إذ لو نفذ فيهم في دار الابتلاء: (مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، ولو نفذ فيهم في دار الجزاء ما نجا أحد فـ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ"، فلن يقدروا على أداء شكر نعمة واحدة فهم من هذا الوجه مقصرون، وإن بلغوا من الاجتهاد في الطاعة ما بلغوا فليس ذلك دليلا لمن قال بجواز فعل الظلم على الله، عز وجل، بل هو ممتنع عليه لا لعجزه عنه فهو القادر على كل شيء، وإنما لاتصافه بضده من كمال العدل، فالظلم كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله: خلاف خبره وخلاف حكمه الذي كتبه على نفسه وخلاف موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلي، فلا تنافي قدرته عليه امتناعه عنه تنزها لا عجزا، فإن مدح القادر على إيقاع الظلم بامتناعه عنه تنزها أبلغ بداهة من مدح العاجز عن ذلك لكونه ممتنعا في ذاته ابتداء.

والأمين: فلا يظلم بل يعفو ويصفح ويزيد عباده الصالحين من فضله، فيحسنون الظن به إذ لا يسيء الظن إلا: من يخاف ظلم الحسيب، أو من أساء العمل فغفل عن معنى اسمه الرقيب، فإن أساء العبد الظن فمن نفسه قد أتي لا من ربه، عز وجل، فإنه لا يقنط عباده، ولا يرضى لهم الكفر شرعا وإن أراده كونا، ولا يحجب عنهم أسباب الهداية لمن طلبها، وإنما يحرمها من ليس أهلا لها ممن سبق في علمه الأزلي التقديري فساد محله، فلا توضع مادة الصلاح الرفيعة في محال فاسدة وضيعة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا، فحكمته قد اقتضت وقوع سنة التدافع من لدن كفر إبليس فأعلن الحرب على آدم عليه السلام فنظر الرب، جل وعلا، إلى ضعف أبي البشر فسلحه قبل استخلافه بشتى الدروع الشرعية من الكلمات النبوية ليصد تلك الهجمة الشيطانية التي تضعف آثارها في الأزمان الفاضلة، كأزمان بعثة الأنبياء عليهم السلام واستخلاف الصديقين كأبي بكر، رضي الله عنه، والشهداء كالثلاثة: أبي حفص وذي النورين وأبي الحسنين، رضي الله عنهم، فلا ملك ورياسة لإبليس في تلك

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير