تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

الأزمنة فغايته التحريش والوسوسة، بخلاف أزمنة المتأخرين التي تنازل فيها إبليس عن منصب التعليم لبعض شياطين الإنس فكم من إبليس إنسي قد فاق أستاذه الإبليس الجني!

ولا أثر له في الأماكن الطاهرة، فليست المساجد كالحانات، فهو في الأولى ذليل خانس، وفي الثانية عزيز ظاهر، ولا أثر له في معادن الطهر من قلوب أهل الفضل إلا نكات تزول بالاستغفار تخلية، والتسبيح والتحميد تحلية للمحل بعد تنقيته، فيزول أثر المعصية بها بعد زوال جرمها بالاستغفار، فذلك من كمال تطهير المحال.

وإنما يظهر أثره في قلوب قد صارت حشوشا جمعت فيها قاذورات الشبهات العلمية والشهوات العملية، فالهمم دنية والإرادات باطلة والشواغل تافهة ومن ثم يظهر أثر ذلك على الظاهر: فحشا في الأقوال وفسادا في الأعمال، على ما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بين الباطن أصلا والظاهر فرعا فلا يجنى العنب من الشوك ولا يلتمس اللؤلؤ في أجواف الخنازير.

فقد سبقت له السعادة في الكتاب الأول، فنسخ ذلك في صحف الملائكة، فكتب الملك الموكل بالرحم ذلك، ثم جاء فعل عبد الرحمن، رضي الله عنه، مقدم الشورى، جاء تأويلا للمعلوم الأزلي والمكتوب في اللوح، ولم ينله، رضي الله عنه، بالكتاب الأول فهو أمر عدمي، بل ناله بما باشره من الأسباب في عالم الشهادة الوجودي، فهو ممن أدرك مراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فـ: "اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلقَ لَهُ"، فرأى من نفسه نشاطا في الحق وقعودا عن الباطل، فأحسن الظن بالرب، جل وعلا، إذ قد خلق فيه هذه الإرادة الصالحة، فاستعان بالرب، جل وعلا، وتوكل عليه في طلب أسباب مراضيه فأعانه الرب، جل وعلا، فضلا منه وامتنانا، فوقعت الأفعال على أكمل الأحوال واستحق، رضي الله عنه، أن يضم إلى تلك الثلة المقدمة: خيار القرن الأول الذي هو خيار هذه الأمة فهو خيار من خيار، رضي الله عنه، وعن سائر العشرة الكرام البررة.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[02 - 12 - 2009, 08:48 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

"وقال ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: العجز والكيس بقدر". اهـ

ص103.

فالعجز والكيس كلاهما من الإرادات الباطنة التي تنضح على الجوارح كسلا وقعودا أو نشاطا ونهوضا، فهما من الله، على حد ابتداء الغاية، على وزان قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، أي: ابتداء غاية خلقها منه، فهو الذي خلق الأعيان الظاهرة، وخلق الإرادات الباطنة، فيوقع العبد بها مختارا ما قد كتب عليه ابتداء من خير أو شر، والعجز والكيس بسبب القدر، فالباء للسببية، وقرينة السياق تدل على أن القدر هو الكوني لا الشرعي، إذ لا يكون شيء في هذا الكون من الأعيان أو الأفعال إلا بقدر كوني، ففعل الرب، عز وجل، فيه، هو الإبداع ابتداء والخلق تكرارا والبعث انتهاء، فترتيبها على هذا النحو من باب التدرج من الأعلى إلى الأدنى فأعلى المراتب: الإبداع إذ هو على غير مثال سابق، ثم الخلق فتكرار الشيء الذي له مثال سابق أهون من إبداعه والكل هين على الرب، جل وعلا، على حد قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)، ثم البعث فهو أيسر إذ النشأة الآخرة أهون من النشأة الأولى، والكل، أيضا، على الرب، جل وعلا، هين، وفي التنزيل: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ)، فذلك من دلالة الإيجاد المعجز على الربوبية من وجه فالنشأة الأولى من الدقة والإتقان بمكان بها تظهر آثار القدرة والحكمة، فيقع الخلق كما قد قدر أزلا على نحو غاية في الإتقان والإحكام، فتتوالى الكلمات الكونيات المؤولات للمقدور الأزلي في عالم الشهادة، فلا يستغرقها مداد، ولا يحويها كتاب: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فالكلمات الكونيات لا منتهى لها، فيعجز العاد عن عد حركاته وسكناته، وكلها بكلمات تكوينيات، يعجز عن ذلك في اليوم الواحد، وهو واحد من جملة مخلوقات

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير