تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

الرب، جل وعلا، ولكل فرد منها، حساس كان أو جامد، كلمات كونيات مثله بها يكون تدبير شأنه من وجود وفناء، من هدم وبناء، من سكون وحركة، من ميل إلى أليف أو ميل عن نكير فلكل ما يلائمه بمقتضى ما جبل عليه من الخَلق والخُلق فيميل الذكر إلى الأنثى فتلك فطرة الأبدان، ويميل المؤمن إلى المؤمن فتلك فطرة الأرواح .......... إلخ، فإذا كان عد كلمات الإيجاد والتدبير الكونية لفرد واحد مستعصيا فكيف بعدها للجنس البشري فضلا عن بقية الأجناس المرئية وغير المرئية، المعلومة وغير المعلومة: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ)، و: (يَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، وهي من وجه آخر من دلالة قياس الأولى فنبههم إلى الخلق الآخر بالخلق الأول: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)، فالنشأة الآخرة فرع عن النشأة الأولى بقياس الأولى، إذ من قدر على الأعلى قدر على الأدنى من باب أولى، و: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، وكذلك الرزق فيرزقهم جميعا بكلماته الكونيات فلا يشغله رزق فلان عن رزق فلان، بل يرزق الجميع في نفس الآن، وكذلك الحساب فكما يرزق العباد جميعا فإنه يحاسبهم جميعا فله المثل الأعلى في كل كمال ذاتي أو وصفي أو فعلي.

ودلالة المراتب: (الإبداع فالخلق فالبعث) على بعضها: دلالة أولوية بملاحظة تدرجها: فمن أبدع فهو قادر على تكرار الخلق، ومن تكرر منه فعل الخلق فهو قادر على الإعادة انتهاء، وتلك أقدار تتكامل فيها أوصاف الرب، جل وعلا، على نحو دقيق محكم فصفات القدرة والحكمة والإحياء والإماتة والبعث ...... إلخ هي صفاته الفاعلة التي تصدر عنها كلماته النافذة التي هي علة صدور هذا العالم، فهي السبب الذي لا سبب وراءه، فكل الأسباب إليها منتهية، فعقيب الكلمة الكونية: تأويلها فلا تتخلف أو تتأخر، وإن بدا لنا ذلك في عالم الشهادة، إذ لا ندرك تتابعها الدقيق، وإنما نرى آثارها بعد حين، فتلك السنة الكونية المطردة في حقنا، فلا يبدل الله من حال إلى حال إلا مرورا بسلسلة من الأقدار الكونية، فلا يستطيع أحد منا أن يحصي نمو ولده في اليوم الواحد، وإن كان نمو الأطفال سريعا مطردا بل يحصيه بعد شهر أو شهرين فيرى أثر تلك الكلمات الكونيات دون أن يدرك تتابعها، فإذا شاء الرب، عز وجل، كسر السنة المطردة بآية أو خارقة، لئلا يظن الناس أن السنة مستقلة بالتدبير في نفسها، بل لو شاء الله، عز وجل، لأمضاها مئنة من حكمته في ترتب المسببات على أسبابها فذلك متعلق تكليفه بالأخذ بالأسباب توسلا بها إلى مسبَّباتها دون اعتقاد نفع أو ضر مستقل فيها، وإنما أودعت فيها القوى المؤثرة فلا تعمل إلا بإذن ربها، ولو شاء لأبطلها فنزع قوى التأثير منها مئنة من قدرته، فتتوافر كل الأسباب ويتخلف المسبَّب لئلا يوكل العباد إلى غير الله، عز وجل، في تدبير شئونهم وإنما الشأن كما تقدم: التوسل بالأسباب على حد التعبد بإجرائها وفق ما سن الله، عز وجل، من الكلمات الشرعية استجلابا للمسببات التي لا تكون إلا تأويلا للكلمات الكونية فيقع التوافق التام بين الشرع والقدر الذي به يستقيم أمر المكلف فلا يشعر بالتناقض الذي يشعر به من زل في باب القدر، أو من ليس له نصيب من النبوات من باب أولى فحاله أسوأ وسبيله أضل، وذلك أمر، كما تقدم في مواضع، مطرد، إذ بقدر البعد عن مصدر الوحي المنير تكون ظلمة القلوب وكآبة الصدور، والعكس صحيح.

والشاهد أن: فعل العبد في الخارج تأويل لإرادته في الباطن، فيستحيل التضاد بينهما إلا حال الجبر أو الإكراه، وهو حال غير معتبر في الشرع، فلا يعتد بفعل المكره، على تفصيل، فكيف يكلف الله، عز وجل، العباد بما لا قبل لهم بتحصيله، إذ قد كلفهم الإيمان وحكم عليهم بالكفر جبرا؟! فمؤدى هذا القول إبطال التكليف لعدم الجدوى منه لسبق العلم بهلاكهم، وإنما الصحيح أنه كلفهم بالإيمان شرعا وحكم على بعضهم بالكفر كونا لا جبرا، فليس هو الفاعل وإنما هم الفاعلون بإرادات مختارة هي له مخلوقة فلا تخرج عن حد إرادته الكونية النافذة، وإن جاز خروجها عن حد إرادته الشرعية الحاكمة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير