تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

، فالرب، جل وعلا: خالق بإرادة كونية نافذة لكل الأعيان والأفعال، والعبد: فاعل بإرادة مؤثرة مختارة لا تخرج عن كونها مخلوقة منقادة، ففعل الرب، جل وعلا، ينظر فيه إلى جانب القدرة الربانية، وفعل العبد ينظر فيه إلى الحكمة الشرعية، حكمة التكليف: تصديقا وامتثالا، أمرا ونهيا.

وجانب العلم ينظر العبد فيه إلى ما قبل له بتحصيله من علم الشرع الموجود لا ما لا قبل له بتحصيله مما استأثر الرب، جل وعلا، به من علم الكون المفقود، فالأول: علم أفعال العبد على حد التكليف وذلك متعلق حكمة الرب، جل وعلا، الشرعية، والثاني: علم أفعال الرب، جل وعلا على حد التنفيذ وذلك متعلق قدرته، عز وجل، فكيف يترك العبد ما كلف به إلى ما لا يطيقه فلم يكلف به رحمة من الرب، جل وعلا، فأبى إلا البحث والتنقير عن سره، فشعل عما أريد منه بما أريد به! وذلك مئنة من الخذلان.

والحديث مروي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، بإسناد متكلم فيه بلفظ: "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ , حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ أَوِ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ". وإنما خص العجز والكيس بالذكر لكونهما من أبرز ما يظهر فيه قدر الرب، جل وعلا، الكوني، فالإنسان يباشره ويحس به مرات ومرات في اليوم الواحد فتعلو الهمة تارة فينشط الإنسان، وتدنو تارات فيكسل، فإذا ذكر الله، عز وجل، على حد التوكل والاستعانة، نهض إلى شأنه، فإذا عجز بملل أو تعب قعد، فإذا استراح قام ثانية فثالثة، وهو في كل ذلك يدافع الوساوس النفسانية والشيطانية التي تقعده عن الخير وتستنهضه إلى الشر، فيكون اليوم الواحد سلسلة من المعارك الجزئية في ميدان جهاد الهوى والشيطان، فإذا استعان القلب بالمدد الرباني جمع الله، عز وجل، عليه شتات جنده، فصار أهلا لمقارعة الشبهات والشهوات التي تتوالى موجاتها على القلوب توالي موجات البحر، وتلك معركة لا قبل لمكلف بها إلا برسم: "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت ". فإن شاء الرب، جل وعلا، ثبت الجند فضلا، وإن شاء خذلهم فانكسروا وانتكسوا بعدله.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[04 - 12 - 2009, 09:10 ص]ـ

قال ابن القيم رحمه الله:

"وقال مجاهد: قيل لابن عباس: إن ناسا يقولون في القدر، قال: يكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه، إن الله عز وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه". اهـ

ص103.

ففيه دليل على ترتيب المخلوقات إلى آخر ما نعلمه منها وهو العرش أعظمها وأعلاها فهو سقفها عموما، وسقف أشرف مواضعها خصوصا: الفردوس الأعلى، فما قبل العرش لم يبلغنا خبره وليس مما يدرك بالاجتهاد ليصح الخوض فيه بقياس العقل، فهو من الغيب الذي استأثر به الله، عز وجل، عنده، فـ: "شيئا" في هذا السياق مقيدة بهذا العالم المخلوق.

فكان الله، عز وجل، على عرشه مستويا استواء يليق بجلاله، فهو الغني عنه وعما سواه بل كل ما سواه إليه مفتقر، فبقاء هذا العرش مع عظمته إنما هو بإبقاء من استوى عليه له، فلا بقاء له في ذاته، بل كل ما سوى الله، عز وجل، يجوز عليه الفناء، إلا أن بشاء الله، عز وجل، له البقاء، وهذا، كما تقدم في أكثر من موضع، أصل فارق بين الرب، جل وعلا، ذي الأولية المطلقة ذاتا وصفات على نحو قد بلغ الغاية المطلقة من الكمال فلا منتهى لكمالات الرب، جل وعلا، إذ لا تحيط بها عقول، بل إنها في باب القدر تحديدا تعجز عن إدراك وجه الحكمة لا سيما في أول الأمر، فتذهب الظنون بها كل مذهب بادي الرأي، وربما ظن أحدنا بلسان حاله في لحظات الفورة أو الغضب لانتهاك حرمة، أنه أغير من الرب، جل وعلا، على دينه، فساء ظنه بالله، عز وجل، وكأنه أرحم بالخلق من خالقهم، تبارك وتعالى، ولو شغل نفسه ببذل الأسباب المشروعة لنصرة الدين ورفع البلاء ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ونصرة المستضعفين وما أكثرهم في عصرنا، لكان خيرا وأبقى، وقد شاء ربنا أن نوجد في زمن انكسار، فلزمنا فقهه، كما شاء لمن سبقنا من صدر الأمة أن يوجدوا في زمن عز وتمكين، فلزمهم فقهه، بل إن المكلف الواحد يتقلب في أقدار الرب، جل وعلا، سعة وضيقا

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير