تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

، نصرة وهزيمة، تمددا وانحسارا، غنى وفقرا، صحة ومرضا، أنسا ووحشة ..... إلخ من المتضادات المتقابلة فيستعمل مع كل حال ما يلائمها من الشرائع، فتتنوع الأحكام بتنوع أعيان المكلفين، وتنوع الأحوال، وتنوع الأمصار، حتى قال بعض المحققين من أهل العلم بأن الفتوى الشرعية مع كون الحكم واحدا في نفسه تتأثر بحال المستفني وزمانه ومكانه وعرفه وعادته إن لم يصادما الشرع، فيكونا معتبرين فإن صادماه ككثير من أعراف وعادات زماننا الفاسدة فهما هدر لا اعتبار لهما، إذ لا تعارض الشرائع بالأعراف والعوائد، والشاهد أن لكل نازلة كونية حكما شرعيا، فلو وفق الرب، جل وعلا، العبد إلى اختيار الحكم الملائم للنازلة، فاستعمل الشدة في موضعها واللين في موضعه، وخضع في موضع الخضوع، وعز في موضع العزة، وبذل في موضع البذل، وأمسك في موضع الإمساك .......... إلخ فقد حقق مراد الرب، جل وعلا، منه بمدافعة القدر الكوني بما سن من أسباب الشرع والكون، فهو، عز وجل، قادر على أن ينصر دينه بكلمة كونية واخدة: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، ولكنه إظهارا لآثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى ابتلى العباد فجعل بعضهم فتنة لبعض: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا)، ليظهر من تلك الفتنة الكونية ما يرضاه من صالح الأقوال والأعمال الشرعية، فلو شاء لانتصر لدينه ابتداء: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)، ولأقر أعين الموحدين بعلو دينهم ونجاة إخوانهم من المستضعفين، ولكنه لحكمته الباهرة التي تغفل عنها عقولنا في أوقات الشدة، أراد أن يطهر المبتلى في نفسه، إن كان مسددا، وأن يظهر مكنون صدره إن كان مخذولا، فما نزل به فضل أو عدل، لم يظلمه الرب، جل وعلا، وأراد أن يبتلي من لم ينزل به البلاء من إخوانه أيكون على رسم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، فيتداعى له، ولو بالدعاء، وإن شئت الدقة، فقل: فيتداعى له أول ما يتداعى بأمضى أسلحة أهل الحق: دعاء الأسحار وسائر أوقات الإجابة، أم يكون على رسم: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" على ضعف في إسناده، وهو أمر لم يسلم منه مكلف في هذا الزمان، إذ كل قد نزل به ما يشغله، فلا يخلو من نوع تقصير وغفلة عن حقوق إخوانه المستضعفين، بل منا من راح يلتمس الأعذار للعدو، فيحمل إخوانه المسئولية كاملة!، ومنا من بالغ في إظهار عجزه، فقعد حتى عن فعل ما يقدر عليه ولو كان ضئيلا، مع أن القليل إلى القليل كثير، ومنا من آثر السلامة مع صلاح في نفسه فلازم بيته لئلا يتعرض لبلاء لا يطيقه فذلك مما يصلح للأفراد لا للجماعات، ومنا من أفرط في الحماس فجاء فعله: رد فعل آني يفتقر إلى الحكمة والتروي والديمومة فهو عارض وقتي سرعان ما يزول، ومنا من صنع شيئا فظن أن له قدرا فراح يُدِل على ربه، عز وجل، به، وكأن الرب جل وعلا قد افتقر إليه لينصر دينه!، ولو تدبر ونظر لعلم أن ذلك فضل من الله، عز وجل، عليه إذ استعمله في طاعة ولو شاء لابتلاه بالمعصية وما ضره ذلك وما نقص من ملكه شيئا، ولو كفر أهل الأرض جميعا ما ضر الرب، جل وعلا، ذلك شيئا، فهم عباده برسم الخضوع والقهر، إن لم يكونوا عباده برسم الاختيار والشرع، فليس أمر الملة موكولا له ليفرح بطاعته، بل فرحه بها أن امتن الله، عز وجل، بها عليه، فهو فرح شكر لا فرح بطر: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، فلو لم يستعمله في ذلك لاستعمل غيره من آحاد المكلفين فهم كثير، وقلوبهم جميعا معلقة بين أصبعين من أصابع الرحمن، جل وعلا، فليس الباري، عز وجل، بمفتقر إلى طاعة طائع، وليس يناله من معصية العاصي ضرر، ومنا من بالغ في الاهتمام حتى شغل عن فروضه العينية، فهو مهموم على الدوام قد تمكن منه الهم عدو الهمم الأول، فحمل نفسه ما لا تطيق، وألزم نفسه بما لا يلزمها، ولكل قدرته، فلا يتعلق التكليف

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير