تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إلا بالمقدور، فإذا بذل الإنسان ما يقدر عليه من أسباب الشرع والكون، فقد برئت ذمته، وليس عليه أن يدرك النجاح، وإنما ابتلي بمباشرة الأسباب لا بظهور النتائج، وكم قتيل في معركة هزم فيها أهل الحق، وما ضرته الهزيمة إذ قد امتثل الأمر وبذل السبب، وما بعد ذلك فليس في مقدوره ليتعلق به تكليفه فإن الرب، جل وعلا، هو المنفرد بتسيير الكون، بمشيئته النافذة، على وفق ما قدر أزلا بحكمته، وأظهر في عالم الشهادة بقدرته، وليس ذلك لأحد من خلقه بداهة، فهذه من المواضع التي يلزم فيها استحضار معاني أقسام التوحيد الثلاثة، فيشهد العبد مقام الأسماء والصفات التي عنها صدر هذا الكون، فهو من آثار صفاته الفاعلة، بما قاله من الكلمات التكوينية النافذة، فهو الذي شاء الكفر والشر كونا ليستخرج به من أجناس الإيمان والخير ما يدافعه، فتظهر آثار حكمته في تلك السنة الجارية فلا يخلو منها زمان أو مكان، بل لا يخلو منها مكلف فهو في مدافعة مع نفسه وشيطانه ما دام حيا حساسا لم يرفع عنه قلم التكليف الديني برسم الجهاد الشرعي للعدو: الخاص في نفسه، والعام فيما يعرض له من قطاع الطريق إلى الله، عز وجل، فبعضهم ينزجر بالكلمة، وبعضهم ينزجر باليد، وقد يبلغ الضعف منه مبلغا، فلا يقدر إلا على الإنكار بقلبه فتلك أدنى مراتب الجهاد، فلا يتصور إيمان وغِيرة بعدها، إذ لا يرضى القلب المؤمن، ولو بلغ غاية الضعف والتخاذل، بأن يعصى الرب، جل وعلا، إذ ذلك مما يسخط ربه، والعبد ملتمس دوما لمراضي الله عز وجل ليسعى في إيجادها، ولمساخطه ليسعى إلى إعدامها، فلو رضي بوجودها فلم يسع لرفعها ولو بقلبه فقد تلبس بشعبة عظيمة من الدياثة إذ أقر الفحش في ملك الرب، جل وعلا، فلم يغر لغيرة الملك أن تنتهك محارمه، ويشهد مقام الربوبية فهي تأويل صفاته العلية، فالملك والتدبير وهما أخص أوصاف الربوبية، وما يلزم منهما من خلق وتكوين ورزق ..... إلخ كلها من صفات الرب، جل وعلا، فربوبيته هي أثر صفات جلاله إذ خلق بقدرته، وصفات جماله إذ دبر بحكمته، ويشهد مقام الألوهية بأن يشرع في بذل أسباب مراضي الرب، جل وعلا، في نفسه وفي غيره، فهو في مدافعة مع نفسه، يدفعها وتدفعه، يرغبها ويرهبها، يلين لها القول ويغلظ، فلها في كل يوم شأن، بل في كل ساعة، فهي قُلَّب لا تقر على حال، فيلزم العبد سياستها سياسة شرعية حكيمة، لئلا تخرج عن طاعته إن لان لها، ولئلا تعجز عن طاعته إن أغلظ لها، فأمره معها دائر بين الترغيب تارة بإعطائها حظا تفرح به فتنشط بعده إلى التكليف، والترهيب إن وجد منها فتورا وتراخيا، وهو في مدافعة مع غيره، على قدر ما ولي من أمره، فليس أصحاب الولاية العامة كأصحاب الولايات الخاصة، فيزع الله، عز وجل، بذي الولاية العامة ما لا يزع بذي الولاية الخاصة، فسلطان الأول أعظم ولذلك كان تكليفه أشق وأخطر، وسلطان الثاني على قدر ما ولي، فللأب سلطان على زوجه وولده فله عليهما السمع والطاعة، أو هكذا يفترض!، فيحسن في هذا الموضع استعمال أخلاق الجلال، وللابن على أبويه وإخوته سلطان النصيحة بلا جبر فليس قيما عليهم، فيحسن في هذا الموضع، وهو ما لا يقع منا غالبا!، يحسن استعمال أخلاق الجمال، ولجهاد أعداء الملة، وهو الجهاد العام، أخلاقه، فلمن بارز بالسيف خلق الشدة والجلال، فإن استعمل معه اللين برسم التسامح، فهو عين الخذلان، إذ قد جهر بعداوته فلم تعد له ذمة أو عهد، فليس له إلا السيف، فمن لاينه فقد جرأه على الولوغ في حرمات الملة، كما هو الحال في زماننا، وليس هذا الأمر لآحاد الناس لئلا يقع من ذلك من الفتن ما لا تحمد عقباه، فلا يملك الحل والعقد إلا أهله سواء أكانوا أهلا له، أم كانوا متغلبين كسائر أئمة الجور، فالصبر عليهم أولى وأنفع والتاريخ خير شاهد على ذلك، إذ مغالبتهم مظنة وقوع فتنة أعم من فتنة تغلبهم فالانشغال عن سبهم بمداواة النفوس أفضل وإن كان كثير منهم أهلا لذلك!، ولمن بارز بالحجة والبرهان، أخلاق الجمال إن كان مسترشدا أو موقنا يذب عما يعتقد أنه حق فليس صاحب هوى، فإن كان معاندا فله أخلاق الجلال من غلظة في القول وهتك لأستار شبهاته كما هو حال أكثر الطاعنين في ملة الإسلام في زماننا.

ومدافعة الكون بالشرع: مدافعةَ الداء بالدواء، هي تأويل أمر الرب، جل وعلا، فذلك مراده منا، وإنما يكون السداد بامتنان الله، عز وجل، على العبد في اختيار الدواء الملائم للداء، فلا تستعمل أخلاق الجلال في مواضع الجمال كالدعوة إلى الله، عز وجل، فذلك لا يكون إلا بالحكمة والموعظة والحسنة على رسم: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، ولا تستعمل أخلاق الجمال في مواضع الجلال كالجهاد في سبيل الله، فذلك لا يكون إلا على رسم: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا).

فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه: فليس ما تقدم من ذلك الصراع المستمر إلى قيام الساعة بين جند الحق وجند الباطل إلا تأويل ما قضى الرب، جل وعلا، أزلا، فكتبه في اللوح فأظهره في الخلق بتيسير أسبابه فمن كان من أهل السعادة يسر لأسبابها فضلا، ومن كان من أهل الشقاوة يسر لأسبابها عدلا، وما ربك بظلام للعبيد.

والله أعلى وأعلم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير