تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ـ[مهاجر]ــــــــ[06 - 12 - 2009, 09:05 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

"وقال ابن عباس أيضاً: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضاً للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى لا انفصام لها". اهـ

ص103.

فهو السلك الذي تنتظم فيه حبات عقد التوحيد، فإن الإنسان لا يستطيع القيام بأمر التوحيد علما وعملا إلا إذا أقدره الله، عز وجل، على ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فمن كذب بالقدر فهو موكول إلى نفسه، معجب بعمله، فعقده إلى انتقاض إذ الموكول إلى نفسه هالك لا محالة، وكم وكل أناس إلى أنفسهم ولو في الطاعات فحجبوا لما ظنوا القدرة في أنفسهم والحكمة في غير ما اختاره الله، عز وحل، بخلاف المؤمن بالقضاء والقدر فإنه موحد لربه، عز وجل، لم ينسب إلى نفسه بلسان الحال أو المقال خلقا لعمله يضاهي به خلق الله، عز وجل، فلا شريك له، عز وجل، في خلقه، فهو الخالق للأعيان والأفعال جميعا، فخلق العين وخلق الأحداث التي تقوم بها، فله كمال الربوبية عموما، وكمال الخالقية خصوصا، وذلك ذريعة إفراده، عز وجل، بكمال الإلهية على ما اطرد من التلازم الوثيق بين معاني الربوبية ومعاني الألوهية.

وما ضاقت الصدور بفوات دين أو دنيا مشروعة، بعد بذل السبب، إلا لضعف الإيمان بالقضاء والقدر، وفساد التصور الأول الباعث على العمل فإن النية لو خلصت ابتداء مع تمام التوكل على الله، عز وجل، ما ضر صاحبها أن يفوته مراده، إذ قد بذل السبب، فهذا تكليفه الشرعي، فلا شأن له بالتديبر الكوني ليقترح على ربه، عز وجل، إنفاذ أمر قد شاء منعه، أو منع أمر قد شاء نفاذه، فليس بعد بذل السبب ما يوجب السخط إلا لمن ضعف إيمانه بالقضاء والقدر، وذلك أمر لم يسلم منه أحد في زماننا، إلا من رحم الرب جل وعلا، ولو كان الفائت طاعة، فلعل فيها شرا بفساد نية يسبقها أو عجب يعقبها فيكون فواتها، وإن كانت مصلحة في حد ذاتها، يكون فواتها في حق مكلف بعينه خيرا له، وهو لا يدري، فقد يورثه فواتها يقظة من الغفلة فيصحح النية، ويحمد الله، عز وجل، عقبها بلسان الشاكر المقر بفضل الرب جل وعلا، فيحذر بعد ذلك من تفويت أجر الطاعة بفساد سابق أو طارئ أو لاحق للعمل، وما أكثر مفسداته، فمن نية فاسدة تسبقه، إلى انفساخ همة وتغيير نية يقارنه، إلى عجب أو بطر يتبعه فلسان حال صاحبه: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، والمعصوم من عصمه الرب، جل وعلا، من تلك المزالق، وفي المقابل قد تكون المعصية، مع كونها فسادا في حد ذاتها، قد تكون لفاعلها سبب نجاة فيتولد منها من أجناس الطاعة ما يرضي الرب، جل وعلا، فصاحبها من أهل: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، فاستغفار وتوبة، وحسنات ماحيات، وانكسار في القلب هو مراد الرب، جل وعلا، من عباده، فلا زهو ولا علو، وإنما خضوع وذل يصلح قلب صاحبه للدخول على المليك، جل وعلا، فإن الدخول عليه لا يكون إلا برداء الذلة وإزار التصاغر، فالكبرياء رداؤه والعظمة إزاره فمن نازعه شيئا منهما ألقاه في النار ولا يبالي، فلا يستعمل في هذا الباب الجليل، كما يقول بعض الفضلاء المعاصرين، إلا أخلاق الأطفال من إلحاح وبكاء فإن لم يكن فتباك حتى ينال الطفل مراده من أبيه، ولله المثل الأعلى، فإن ذلك قد يكون للطفل إفسادا باضطرار الأب إلى تنفيذ مراده تحت تهديد البكاء! فتصير له عادة، ولكنه في حق العبد مع ربه، عز وجل، إصلاح لحاله أيما إصلاح، إذ الرب، جل وعلا، لا يلجئه أحد من خلقه إلى ما لا يريد، فلا موجب عليه إلا هو، على حد قوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، فكتبها على نفسه بمشيئته النافذة إظهار لوصف جماله تفضلا على عباده مع غناه عنهم، فهو الغني الحميد، وهو يحب من عبده الذل والخضوع بخلاف الأب الذي يكره من ابنه البكاء والضجة، وذلك من المواضع التي يظهر فيها غنى الرب، جل وعلا، في مقابل: فقر العبد، فالعبد لفقره يمل بسرعة لو كان أبا مشفقا، فلا يتسع صدره لكل مطالب ابنه، وقد يتسع ولكنه يعجز عن تلبيتها لضيق ذات يده، بخلاف الرب، جل وعلا، فـ: " فإن الله لا يمل حتى تملوا "، فلا يمل من دعاء عباده: ثناء ومسألة، بل هو مراده الشرعي الذي خلق الدنيا لأجله وبعث الرسل لبسطه، إذ الدعاء هو العبادة فهو آكد صورها، فلا تنفك عبادة قلبية أو لسانية أو بدنية عن توجه إلى الله، عز وجل، برسم الرغبة أو الرهبة، فالطالب راغب، والتائب راهب، وكلاهما قد توجه بالدعاء إلى من عرشه بالسماء، فلا يجيب المضطر إلا هو، ولا يعطي السائل إلا هو.

والله أعلى وأعلم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير