تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ـ[مهاجر]ــــــــ[09 - 12 - 2009, 08:46 ص]ـ

قال ابن القيم رحمه الله:

"وقال عطاء بن أبي رباح: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، أرأيت من صدني عن الهدى وأوردني دار الضلالة وارداً، ألا تراه قد ظلمني؟ فقال: إن كان الهدى شيء كان لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلا يظلمك. قم فلا تجالسني". اهـ

ص103

فليس للعبد على ربه حق واجب ليصح احتجاجه بحجبه عنه، فإنه جل وعلا يعطي من شاء فضلا ويمنع من شاء عدلا، فله كمال القدرة في الإعطاء والمنع، وله كمال الحكمة في ذلك فلا يعطي إلا من هو أهل ولا يحجب إلا من ليس بأهل فمحله غير قابل لآثار الوحي، فإن بذر فيه فلن يثمر لفساد تربة قلبه، فالحكمة قاضية بقطع مادة الصلاح عنه ووضعها في محل آخر يقبلها فتثمر فيه من مراضي الرب، جل وعلا، ما يحصل به مراده من خلقه.

وفي قوله: "قم فلا تجالسني": زجر للمبندع، إذ كان السائل مشبها لا مستفسرا، أو هو محمول على التأديب، فإن الشدة تفيد أحيانا ما لا يفيد اللين، وذلك أمر يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فقد يكون الزمان زمان ظهور لأعلام الدين، والزاجر ذا أهلية للإنكار بل التعزير والانتصار، فيعزر السائل إن ظهر له فساد قصده، كما صنع عمر، رضي الله عنه، مع صبيغ، وقد يكون الزمان زمان انكسار، فيضطر صاحب الحق إلى دفع الباطل باللسان، وربما بالقلب إن ضعف الإنكار العام، حتى صار تغيير المنكر جريمة يعاقب عليها المجتمع الذي ارتضى بلسان حال سكوته: وقوع المنكر، فلا يكون الإنكار حينئذ ممكنا إلا على آحاد، على رسم ما تقدم من نجاة كل بنفسه حال غرق السفينة العام، فلا يلتفت الراكب حينئذ إلا إلى نفسه، وقد يكون السائل في كل مستبصرا فيشرع اللين معه تهدئة لنفسه المضطربة لئلا ينفر من الحق، فإن صاحب الشبهة إن لم يكن مغرضا: مريض يستحق العناية لا الإهمال، وكم ضل أناس بشبه يسيرة لم يجدوا من يجليها لهم برسم الرحمة، وعين القدر الراحمة تنفع حيث لا تنفع عين الشرع الحاكمة، وإن كانت الأحكام الشرعية ثابتة راسخة، وإنما تتنوع الفتيا حينا بحسب حال المستفتي، ويتنوع البيان حينا بحسب حال طالبه، ومن استعمل الرحمة فإنه لا يزيف الحق ليرضي السائل، ولكنه يتلطف معه إذ المقام يقتضي ذلك، وأكمل من حقق هذا الباب الدقيق هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد استعمل اللين في مواضع فظن بعض الناس أن اللين ينفع في كل وقت ومع كل أحد فأوقعه ذلك في نوع ذلة وخنوع، واستعمل الشدة في موضعها فظن بعض الناس أن الشدة تنفع في كل وقت فأوقعه ذلك في نوع قسوة وغلظة، والتوسط في الأخلاق قد أعيى الورى تحصيله فلا يمتن الله، عز وجل، به إلا على آحاد المسددين.

وقال عكرمة عن ابن عباس: كان الهدهد يدل سليمان على الماء فقلت له: فكيف ذاك؟ الهدهدد ينصب له الفخ عليه التراب فقال: أعضك الله بهن أبيك، إذا جاء القضاء ذهب البصر

ص103.

فقول ابن عباس، رضي الله عنهما، جار مجرى الزجر، فصرح فيه بما يستقبح ذكره إمعانا في ذلك، فذلك تأويل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا"، فمصلحة الزجر أعظم من مفسدة التصريح، فيقاس على ذلك زجر كل قائل أو قول خارج عن الشرع ولو كان صاحبه عكرمة، رحمه الله، فإن القائل أعظم منه مكانة، فيحتمل من ابن عباس، رضي الله عنهما، في مقام الزجر تربية ما لا يحتمل من غيره.

فإذا جاء القضاء ذهب البصر: إذ إرادة الله، عز وجل، الكونية، نافذة، فيشاء الرب، جل وعلا، ما لا يتوقعه العبد حال السلامة، وكم فعل الإنسان أمورا حال السكرة، ثم عض عليها أصابع الندم بعد مجيء الفكرة، فقد زال عقله وبصره ففسد قياسه وحسه، فبدر منه من المعائب ما يخجل من ذكره لغيره بل من تذكره في نفسه، فلا يسع من سلك طريق الرجوع إلى ربه، عز وجل، إلا أن يحمد ويسترجع، فإن ما قضى الله، عز وجل، بمشيئته الكونية نافذ، فإذا كان المقدور شرا فليس لفاعله أن يحتج بالقدر إلا أن يتوب فتصير المعصية في حقه مصيبة، فلن يملك لها رفعا ولو بذل ما بذل من الأسباب، فحاصل أمره: إجهاد ذهنه في اجترار فائت لن يرجع مرة أخرى، فالأولى به

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير