تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وقد عاد إليه بصره المفقود أن ينتفع به في النظر إلى ما هو آت من التكاليف الشرعية، فيجدد التوبة ويعقد لواء الهمة حربا للنفس والشيطان متأيدا بمدد الشرع، فيدافع آثار ما مضى فإن للمعصية آثار شؤم تعيق السالك إلى الله، عز وجل، فتقطعه أو تبطئ سيره، وذهاب البصر في هذا الباب على وجهين:

ذهاب له في المصائب الكونية: فلا يلام عليه إذ لم يكلف برفع ما قدره الله، عز وجل، عليه من الأعراض الكونية، وإنما تعلق التكليف ببذل السبب مدافعة سواء أكان شرعيا أم كونيا، وذلك أمر يظهر جليا في مدافعة أعداء الملة في ساحات الوغى فإن تسلطهم على المسلمين: مصيبة كونية، فلا يتوجه اللوم إليهم من هذا الوجه إذ هو فعل الرب، جل وعلا، والعبد لا يكلف بفعل غيره من آحاد البشر فكيف بفعل الرب، جل وعلا، فلا لوم عليهم من جهة الكون، وإنما يقع اللوم عليهم من جهة الشرع، إذ ما تسلط أولئك عليهم إلا لحدث أحدثوه في الديانة، فإن سنة التدافع قاضية بتسلط أهل الباطل على أهل الحق إن هم قعدوا عن القيام بأمره والانتصار له من أعدائه، فلو ترك أهل الحق آمنين مع كونهم مبدلين مفرطين لهان الحق، وهو عزيز، ولاستخف البشر بالديانة إذ هم قد هجروها فما ازدادوا إلا سعة!، وذلك قد يجري لآحادٍ استدراجا، أو لمجموع الأمم الكافرة كما وقع لأوروبا في العصر الحديث إذ فتحت عليهم بركات الكون مع هجرهم للديانة، أو لما أسمته الكنيسة ديانة!، فزيد لهم في الخلاق الدنيوي، إذ لا خلاق لهم أخروي، وسار على طريقتهم سقط متاع الشرق ممن لا قدر لهم في دين أو دنيا، وإن فرحوا بعلوم كونية غالبهم عند التحقيق ينتسب إليها برسم: "الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ"، فنسبهم إليها لا يتعدى الإلحاق على طريقة نكاح الجاهلية، فليسوا أبناء بررة لأمة الإسلام وليسوا أبناء شرعيين لأعدائها بل لقطاء يتسولون فتات الموائد الفكرية الشرقية والغربية في واحدة من أبرز السرقات العلمية في تاريخ البشرية، فليت منطوق ألسنتهم من بنات أفكارهم، وإنما سرقة حتى للباطل الذي تأنف النفوس الشريفة من انتحاله أو ادعائه.

فصار لزاما على من ابتلي بهذا القضاء أن يبذل ما يرفع عنه اللوم: باستغفار عما فات وتوبة لما هو آت، وبذل للسبب الكوني المقدور لرد العدوان.

والذهاب الثاني للبصر في هذا الباب هو: ذهاب البصر بسكرة الشهوة حال مباشرة المعصية فتحجب لذة المعصية العارضة رسل الشرع عن ملك الجوارح، فهي حاجب سوء يزين للملك الغي ويزهده في الرشاد، فلا ينظر في حال رعيته إلا بعين بطانة السوء من نفس لا تشبع وشيطان لا يفتر، فيصيب رعيته منه من أنواع المظالم ما يفسد حالها، وهو يظن أنه يصلح من شأنها، وإنما أراد تحصيل حظه فخرج عن حد الشرع المنزل، ولا ناصح ولا مرشد، إذ البطانة الفاسدة راضية مطمئنة بذلك، فلا يعنيها شأن ملك أو رعية، وإنما همها تحصيل حظوظها الآنية، فالنفس تستمتع باللذات الوهمية لفساد تصورها العلمي إذ قد نصبت العداء لرسل الشرع فأنى يكون لها هداية؟!، والشيطان يستمتع بإضلال عدوه اللدود تأويلا لقول الرب المعبود جل وعلا: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ).

وذلك العمى الشرعي، إن صح التعبير، مما يلام عليه العبد فلا يصح له الاحتجاج بالقدر عليه، فليس مصيبة كونية لا عمل له فيها، بل هو مصيبة شرعية بما كسبت يداه ويعفو الرب الرحيم، جل وعلا، عن كثير، فابتلي بالمعصية جزاء وفاقا على معصية سبقتها، وابتلى بالمعصية ابتداء جزاء وفاقا على انصراف قلبه عن تحصيل أسباب الطاعة فصار المحل خلوا لا جند فيه لتسد بهم ثغوره، فسهل على العدو اقتحام المحلة واسترقاق قوى القلب الفاعلة لتسخيرها في تحصيل مراده من إفساد للقلب والجوارج بأجناس التصورات والإرادات والأعمال الباطلة. فيلزم القلب لكي يدفع ذلك العدو، ويرفع آثار عدوانه الغاشم أن يستعين بالرب، جل وعلا، ويوحد

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير