تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إن صح الرضا بما يسخط الرب، وقرب من لعنه وأبغضه من أصحاب الكبائر بل الكفار الأصليين، فالمحبة بعد أن كانت شرعية صيرها أولئك كونية، فشملت كل الأعيان ولو نجست، فرأينا منهم من يبالغ في تكريم الكلاب! على نحو تأنف منه النفوس السوية، فإن الإحسان إلى الحيوان شيء، وتعظيمه بزعم محبة كل مخلوق مراد للرب، جل وعلا، شيء آخر، وقد غفر الرب، جل وعلا، للبغي لما سقت الكلب، فغلا القوم حتى صيروا أنفسهم جسورا يمر عليها!، والحق وسط بين طرفين، فرحمة المخلوق الحي الحساس باب، والغلو في تكريمه شيء آخر، وهو من مظاهر الخلل العاطفي في المجتمعات الغربية التي صيرت الكلاب أصحابا وخلانا، فانحلت عرى العلائق البشرية بين أفراد المجتمع، وعقدت عرى المودة مع الكلاب والقطط، حتى اختص أحدهم كلبه بتركته بعد موته، فلم يجد من البشر أحدا يكافئه في المودة والوفاء!، وذلك حظه من البشر الذي ألجأه إلى صحبة الكلاب. ونوادرهم، وإن شئت الدقة فقل: مخازيهم، في تقديس الحيوان في مقابل الجفاء في حق الإنسان أكثر من أن تحصى، حتى أصدر البيت الأبيض بيانا ينعي فيه هرة ابنة الرئيس الأمريكي السابق، ولم يصدر بيانا لنعي مئات الآلاف من القتلى في بلاد الأفغان والعراق وغزة: حصيلة ولاية جورج بوش المشئومة.

وشملت كل الأفعال فرضي القوم بالكفر والفحش فهو مراد للرب، جل وعلا، لمجرد أنه شاء وقوعه بقدره الكوني النافذ، فلم يرده لذاته ليرضى به العبد، وإنما غايته أن يصبر ويرضى عن وقوعه إن عدم سببا كونيا أو شرعيا لرفعه، فينظر إلى حكمة الرب، جل وعلا، الكونية، بعد أن نفدت أسباب حكمته الشرعية، فما أراده إلا لمراد أسمى، ولا يعني ذلك أن يقعد العباد عن مدافعته، فإن ذلك إنما يكون، كما تقدم، بعد بذل الأسباب الشرعية والكونية المقدورة.

فالاستسلام للرب لا يكون إلا بامتثال أمره الشرعي ببذل الأسباب، فإن نفدت فليس ثم إلا الرضا فهو بعد بذل السبب: توكل صحيح، أو الصبر على المكروه إن لم يبلغ مرتبة الرضا فهي عزيزة المنال لا ينالها إلا آحاد العباد.

وعند ابن المبارك، رحمه الله، في "الزهد" زيادة: "ولولا ثلاث خلال صلح الناس: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه".

فالشح كما ذكر صاحب "اللسان" رحمه الله أعلى البخل على وجه، فهو فرد من أفراده ورد عليه قيد الشدة، فحقيقة البخل فيه وزيادة، إذ هو: بخل فذلك قدر مشترك بينهما، و: شديد، فذلك فصل على طريقة المناطقة، قيد عموم المعنى الأصلى بصورة من صوره هي أعظم صور البخل، فاختص جنس البخل بعد ورود قيد الشدة عليه باسم دال عليه هو: "الشح" إذ قد صار نوعا مندرجا تحته فتحت جنس البخل ما لا يحصى من الأنواع: فبخل بالمال فذلك ضد الكرم، وبخل بالنفس فذلك ضد الشجاعة، وبخل بالوجاهة فلا يبذلها لطالبها في شفاعة مباحة ........... إلخ، ولا يقوم هذا الدين كما حرر ابن تيمية، رحمه الله، إلا على الكرم بالمال فذلك ضد البخل، والكرم بالبدن فتلك الشجاعة التي هي ضد الجبن فحقيقته البخل بالنفس في مواضع يحسن شرعا بذلها فيها، فليس بذل النفس محمودا في كل حال، بل لا يمدح ذلك إلا برسم الجهاد في سبيل الله على ما يعتريه من أحكام بالندب تارة كمن بذل أسباب جهاد الطلب حال القوة، وبالفرض أخرى كمن بذل أسباب جهاد الدفع حال الضعف، وبالمنع ثالثة كمن فرط في مراد أعظم للشارع عز وجل من رعاية أبوين إن كان جهاده ندبا فتقديم المندوب على الواجب مئنة من نقص في إدراك مقاصد الشرع الشريف، وبالعفو لمن رخص الله، عز وجل، له في الترك لمرض أو ضعف، فالكرم خلق جليل هو وسط بين البخل والسرف في الأموال، والجبن والتهور في الأبدان.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير