تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وعلى قول آخر حكاه صاحب اللسان، رحمه الله، بصيغة التضعيف: قيل: البخل بالمال والشح بالمال والمعروف، فيكون الشح أعم من هذا الوجه، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل بخل شح ولا عكس، وحبس المعروف أمر يعم كل أفراده، لدلالة: "أل" الجنسية على استغراق عموم ما دخلت عليه، فالمعروف: مال يبذل، ونفس تتلف في مظان رضا الرب جل وعلا، وشفاعة في معروف، وكلمة طيبة، ووجه طلق، وسعي في حاجة ضعيف وحمل لعاجز ............ إلخ، ومن حديث جابر، رضي الله عنه، مرفوعا: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وَإِنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ"، فهو باب واسع قل أن يجمع مسائله إلا من امتن الرب، عز وجل، عليه، بسعة الصدر، وقد حرمنا لمانع التربية على الأثرة في البيت وفي المدرسة وفي الجامعة وحتى في الحياة الزوجية، حرمنا لذلك المانع من تحصيل كثير من تلك المسائل، فحفظها في الذهن شيء، وتأويلها خارجه شيء آخر، ولا يسدد في هذا الباب إلا آحاد قد امتن الله عليهم بما حرم منه جيلنا من رؤية شرعية في مسائل التربية، فرؤية غالب المجتمعات الإسلامية: رؤية اجتماعية عرفية تخضع للعادة برسم التقليد أكثر منها لحكم الشريعة برسم الديانة، فالكذب مستقبح لا محرم، والشره مذموم لا ممقوت شرعا ........ إلخ، والعادات قُلَّب تختلف من مجتمع إلى آخر، بل من حي إلى آخر، وربما من أسرة إلى أخرى، وتخضع للظروف الاقتصادية خضوعا مباشرا فليست أخلاق السعة كأخلاق الضيق، ففي السعة تجد النفوس من الطلاقة ما لا تجده النفوس المأسورة في قيد الضيق، فالظنون تسوء، والإحساس بالأمن يتضاءل بل يكاد يتلاشى في بعض الأمصار، وتلك روافد تصب في نهر الأثرة والأنانية فلا يلتفت أحد إلى جار أو حتى ذي رحم، فلكل امرئ منهم شأن يغنيه، ولا يملك الناظر بعين الإنصاف والرحمة إلا أن ينكر ذلك بمقتضى حكم الشرع، ويعتذر بمقتضى حكم الكون فإن الشدة مظنة الزلل، وليس المعافى كالمفتون في دين أو دنيا، والشاهد أن تقلب العادات أمر يؤدي إلى تعدد معايير الأخلاق، وعلى هذا بنت الفلسفات المادية صروحها فمعيار مادي بحت أصل أصوله ماركس وإنجلز، فجعل مستودع أسرار الإنسان: بطنه!، ومعيار اجتماعي أصل أصوله دوركاييم فجعل مناط ولاء وبراء الفرد ما تقره الجماعة من أحكام وتشريعات ولو على خلاف ما قررته النبوات، فالعقل الجمعي هو الحاكم، وليس للشرع عليه سلطان ملزم، بل الشرع خاضع له، في صورة عصرية من صور تقديم العقل على النقل، فقد قدمه الأوائل في الإلهيات، وقدمه المتأخرون في كل شيء: في الإلهيات والحكميات والعاديات والسياسات والأخلاق ......... إلخ، ومعيار غريزي أصل أصوله فرويد فجعل منتهى همة الإنسان ما يشترك فيه مع الحيوان من وقاع الزوج، ولو على خلاف الشرع، وهو أمر صادف علمانية متطرفة، إن صح أن منها ما هو على حد الاعتدال تجوزا، فلم تحفظ دينا أو خلقا، وإنما استباحت حرمات الأديان باسم المساواة، واستباحت حرمات الأبدان باسم الحرية الشخصية. وشح الإنسان وحرصه على تحصيل لذاته الآنية دون نظر إلى مآلاتها قد أورده موارد الزلل إلا من عصم الرب جل وعلا، والمسدد من سدده الله تبارك وتعالى، فلا يرتجى هدى إلا منه، ولا تكون راحة إلا في ظل شرعه في الأولى، وظله يوم لا ظل إلا ظله، وما يعقب ذلك من سكنى أوليائه لدار مقامته فتلك غاية كرامته.

وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه: وهما أمران متلازمان في ظل غياب الشرع الحاكم، فلا يتبع الهوى إلا بالإعراض عن الشريعة المنزلة، ولا يعجب الإنسان بمقالته إلا فرعا عن جهله بمقالة الشرع، فإن للشرع حكما في كل شأن من شئون الأفراد فلا يخلو عمل من أعمال البشر عن دخول في حد الحكم التكليفي، ولو كان مباحا، فالإباحة حكم شرعي، تستصحب فيه البراءة الأصلية لكل عين بالطهارة إلى أن تثبت نجاستها، ولكل معاملة بالإباحة إلى أن يثبت تحريمها، وغالب أفعال البشر من هذا النوع، فمعظم الأوقات تنفق في معالجة المباحات من أموال وصناعات ..... إلخ، فالمسدد من اقتنص في زحام الحياة المادية الجافة نية صالحة ترطب أجواءها، فينوي بالمباح خيرا من تقو على الطاعة أو إعفاف

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير