نفس عن مباشرة المحرم ....... إلخ، وذلك ميدان يتفاوت فيه التجار مع الرب، جل وعلا، تبعا لتفاوت قلوبهم وإراداتهم وعلومهم وحنكتهم في تحصيل أعظم الأرباح بأقل التكاليف.
وقال سلمان، رضي الله عنه، أيضا: "إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منها ذراري إلى يوم القيامة، وكتب الآجال والأعمال والأرزاق والشقاوة والسعادة فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر".
ص104، 105.
فمسح على ظهره فأخرج الذرية ليأخذ غليها الميثاق لتصح خلافة آدم عليه السلام أصلا، وخلافتهم تبعا، ثم أنساهم الميثاق ليصح معنى الابتلاء، وإلا لو علم كلٌ مصيره لبطل التكليف وصار بعث الرسل عبثا، فإنهم ما بعثوا إلا تجديدا وتذكيرا بذلك الميثاق الأول، فإخفاؤه من جنس إخفاء التقدير الأزلي في اللوح المحفوظ، فإن الرب، جل وعلا، قد أخفاه بحكمته وأمضاه بقدرته.
وكتب الله، عز وجل، كل شيء عموما، والخير ومجالسه، والشر ومجالسه على حد الطباق استيفاء لأوجه القسمة العقلية إمعانا في عموم الكتابة الكونية لسائر المقدورات البشرية.
قال ابن القيم رحمه الله:
"وقال هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة: إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله مكتوب من أهل النار".
والأثار فى ذلك أكثر من أن تذكر، وإنما أشرنا إلى بعضها إشارة". اهـ
ص105.
فيعمل وقد أخفي عنه المقدور الأزلي في اللوح المحفوظ، فإن الله، عز وجل، قد سبق في علمه الأزلي ضلاله، لفساد باطن، أظهر الله، عز وجل شؤمه في آخر عمره، فذلك من مكره، جل وعلا، أن استخرج مكنونات الصدور، ففعل الرب، جل وعلا، به عدل، ولو شاء لفعل به بمقتضى فضله ولكنه شاء له سوء الخاتمة إمعانا في بيان قدرته، عز وجل، بتنوع المقادير، وتنوع المحال القابلة لآثار الوحي، فمنهم من يقبلها ظاهرا وباطنا فلا يزيغ، ومنهم من يزيغه الله، عز وجل، بمقتضى مشيئته فذلك وجه العدل، ومنهم من يردها ابتداء، ومنهم من يردها ويمعن في حربها ثم يشاء الرب، جل وعلا، هدايته فذلك وجه الفضل، فمشيئته عامة نافذة في خلقه فذلك من قدرته، وهو أعلم بالمحال فلا يضع الهداية أو الضلالة إلا في محل ملائم فذلك من حكمته.
وبذلك انتهى ابن القيم، رحمه الله، من حشد أدلة الباب في مسلك يشبه إلى حد كبير مسلك الإمام اللالكائي، رحمه الله، في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، فإنه سار على نفس الطريقة فحشد الآيات والأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة، فصدر بالصحيح وتلاه بما يستشهد به، وطريقتهما في ذلك ترجع إلى طريقة المحدثين في جمع أدلة الباب الواحد إمعانا في الاستدلال وإزالة لما قد يعرض من الخلاف، وقد انتهج الإمام البخاري في صحيحه ذات المسلك فذكر في صدر أبواب كتابه الآيات وما ليس على شرطه ثم أورد ما هو على شرطه مسندا من لدنه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك صنع مسلم في تقديمه أصح ما في الباب ثم التثنية بما هو أدنى صحة اعتبارا بعد أن حصل الاحتجاج بالمقدم ابتداء.
ويلي ذلك، إن شاء الله، عودة إلى مناقشة ابن القيم، رحمه الله، لمسائل هذا الباب الجليل بعد ما حشده من هذا الكم من الأدلة النقلية.
والله أعلى وأعلم.
ـ[مهاجر]ــــــــ[19 - 12 - 2009, 08:37 ص]ـ
يقول ابن القيم رحمه الله:
"فالجواب: أن ها هنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك زلت فيه أقدام فهوت بصاحبها إلى دار الشقاء.
فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأن ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس، وهذه الآثاركلها تحقق هذا المقام وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه، وهذا في كل كتاب أنزله الله على رسله". اهـ
ص105.
¥