تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فالإيمان بالقدر شعار التوحيد، إذ مرده عند التحقيق: الإيمان بالله، عز وجل، صفاتٍ فاعلة صدر عنها فعله، فبها فعل الرب، جل وعلا، ما شاء في كونه، على وفق علمه المحيط وحكمته البالغة فخرج هذا الكون على أبدع ما يكون مع قدرته، عز وجل على خلق عوالم أخرى غيره، فصدرت كلماته التكوينيات بالخلق والرزق ..... إلخ متباينة بتباين الصفات التي صدرت عنها فالكلمة الخالقة غير الكلمة الرازقة، بل الكلمة التي خلق بها المسيح عليه السلام غير الكلمة التي خلق بها غيره من آحاد البشر، فنسبتها إلى الرب، جل وعلا، نسبة صفة إلى موصوف، فكلمته من وصفه، وأثرها: خلق المسيح عليه السلام وإنما خصت بالذكر لشرف المكون بها فهو عبد الله ورسوله وروح منه خلقت بتلك الكلمة، فصدورها من الرب، عز وجل، صدور صفة من المتصف بها، وصدور المسيح عليه السلام المكون بها: صدور مخلوق من خالقه، وإنما خصت روحه بالذكر نسبة إلى الرب، عز وجل، لشرفها، فهو من أولي العزم المصطفين، وتلك أعلى مراتب النبوة كما أن النبوة أعلى مراتب البشرية فهم خيار من خيار، ومن أولى من أولئك بالنسبة إلى الرب، جل وعلا، تشريفا؟!.

ومرده، أي الإيمان بالقدر، عند التحقيق إلى الإيمان بالرسل إذ شرائعهم من الكلمات الشرعيات فلا تعارض بالكلمات الكونيات كما صنع المشركية.

ومرده أيضا إلى الإيمان بالملائكة فهي التي بأمر ربها الكوني تعمل، فيتلقى الملك الكلمة التكوينية بإحياء فلان أو إماتة فلان ........ إلخ، فيمتثل الجند النوراني أمر الرب العلي، ومنهم من ينزل على قلوب الرسل عليهم السلام بالكلمات الشرعية، فمن آمن بهم وعارض الشرع بالقدر فقد آمن ببعض ما نزلوا به من الكلمات وكفر ببعض فهو من أهل للإنكار والتوبيخ في قوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)، ولا ينفك صاحب البدعة عن إيمان ببعض الكتاب يزين بدعته، إذ هو حق يلبس به على غيره، وكفر ببعض يستره بزخرف من القول، فلا بد أن يفرق بين متماثلين كمن آمن بالقضاء الشرعي وكفر بالقضاء الكوني أو عكس الأمر فآمن بالقدر وكفر بالشرع، وكلاهما من جنس واحد، فهما نوعان مقيدان يندرجان تحت جنس كلي مطلق هو القضاء أو الكلام: الرباني، فمن جنس القضاء: نوع الكون ونوع الشرع، ومن جنس الكلام: نوع التكوين النافذ، ونوع التشريع الحاكم فـ: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).

ومرده إلى الإيمان بالكتب فهي من الكلمات الشرعيات فمن كفر بالقدر فقد كفر بما أثبتته من قدر الله، عز وجل، النافذ، ومن عارضها بالكلمات الكونيات فهو على طريقة من تقدم من القدرية المشركية.

ومرده إلى الإيمان باليوم الآخر فهو تأويل ما أخبرت به الرسل عليهم السلام، وما سطر في اللوح المحفوظ من قدر السعادة والشقاوة النافذ.

فالإيمان بالقدر ينتظم كل أركان الإيمان فهو نظام التوحيد كما تقدم من كلام ابن عباس رضي الله عنهما.

وذلك من المحكم الذي اتفقت الرسالات عليه فلا يقبل النسخ أو التبديل إذ متعلقه وصف ربنا، عز وجل، ووصفه قد بلغ الغاية من الكمال: ذاتا وفعلا، فلا يزاد فيه ولا ينقص، ليصح نسخ وصف كمال كان له فلم يعد، أو زيادة في وصفه على قول من يقول بأن الزيادة: نسخ، وذلك إن كان جائزا في الأحكام الشرعية فهو غير جائز في الأخبار الإلهية بل في سائر الأخبار الكونية كأخبار الأمم الغابرة وأحوال الدار الآخرة، فالنسخ لا يجري في الأخبار وإنما يجري في الأحكام التي تقبل النسخ، فإن أصول الأحكام، أيضا، لا تقبل النسخ.

يقول ابن القيم رحمه الله:

"وأما المقام الثانى: وهو مقام الهدى وهو مقام الضلال والردى والهلاك فهو الاحتجاج به على ذنبه على الله وحمل العبد ذنبه على ربه وتنزيه النفس الجاهلة الظالمة الأمارة بالسوء وجعل أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأغنى الأغنياء أضر على العباد من إبليس، كما صرح به بعضهم واحتج عليه بما خصمه فيه من لا تدحض حجته ولا تطاق مغالبته ". اهـ

ص105.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير