تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فالجبري يسيء الظن بربه، جل وعلا، إذ يعتقد أنه، تبارك وتعالى، يحب ضلال عباده ويرضى به، فييسر لهم أسباب الضلال بإرادة شرعية مريدة!، والصحيح أنه ييسرها بإرادة كونية محيطة قد عمت سائر الأعيان والأفعال تقديرا بالعلم في الأزل وكتابة في اللوح بالقلم وتأويلا في عالم الشهادة مشيئة وخلقا، فلم تتعلق بإرادته الشرعية الحاكمة: متعلق محبته، فلا يحب جل وعلا الضلال شرعا وإن أراده كونا، فقدر الكفر أو المعصية الكوني مما يستعان بالرب، جل وعلا، على دفعه أو رفع أثره إن وقع ببذل الأسباب الدافعة الرافعة له من الإيمان والطاعة، وجهاد أعداء الملة الباغين عليها بالشبهات والشهوات والسيوف المشهرات، فيرد عدوان كل بجنس سلاحه، فمن بغى بالشبهة قوتل بالحجة، ومن بغى بالسيف فلا يفل السيف إلا السيف!.

يقول ابن القيم رحمه الله:

"يقول قائل هؤلاء:

ما حيلة العبد والأقدار جارية ******* عليه في كل حال أيها الرائي

ألقاه فى اليم مكتوفاً وقال له ******* إياك إياك أن تبتل بالماء". اهـ

ص105.

فالبيت الأول قد يصح بقيد: القضاء الكوني الذي لا يرد كالمصائب التي لا يملك العبد دفعها أو رفعها، فمن يملك دفع الموت أو رفعه بعد وقوعه؟!، فما حيلة العبد في جريان القضاء الكوني النافذ فهو جار عليه في كل وقت، فللرب، عز وجل، فيه كلمة تكوينية في كل أحواله، فلا يتكلم ولا يقوم ولا يقعد ولا يرقد ولا يأكل ولا يشرب ولا يواقع ولا يقضي حاجة الإنسان ولا يتنفس بل لا تتنفس أو تموت خلية من خلاياه إلا بكلمة تكوينية نافذة، فذلك من القضاء الكوني النافذ الذي لا يتعلق به ثواب أو عقاب في ذاته إلا إن تضمن فعلا للمكلف، كمن يتناول الخبيث فإنه يتلف بدنه، وإتلاف الأبدان مرده إلى جريان أسباب التلف بإذن الرب، جل وعلا، الكوني، فلا يلام الإنسان ابتداء على ما يلحق بدنه من عطب، ولكنه يلام إن باشر سبب ذلك بتناول مطعوم أو مشروب ضار، فيصير الثواب والعقاب آنذاك متعلقا بفعل العبد بمباشرة السبب لا بفعل الرب، جل وعلا، بإمضاء السبب، وهذا أصل مطرد في باب التكليف، فإن العبد لا يكلف بفعل غيره فكيف بفعل ربه، عز وجل، فلا يكلف بالشفاء إذ لا حيلة له فيه ليتعلق به التكليف، وإنما يكلف بمباشرة سبب الشفاء، وليس عليه نفاذ السبب فذلك متعلق فعل الرب، جل وعلا، إن شاء أنفذه فأصاب الدواء الداء بإذنه فشفي وبرئ فضلا، وإن شاء أبطله فلم يشفه ولو استوفى المريض الأسباب وانتفت في حقه الموانع وبالغ في الاحتياط على وزان ما يفعله كثير من المتوكلين بلسان الحال على الأسباب الكونية فيبالغون في التحصن من الآفات على حد يقدح في توكلهم، والآفة عارض كوني نازل بالعبد لا محالة فهو مما عمت به البلوى، وليس معنى ذلك أن يقعد العبد عن مباشرة أسباب رفعها، وإنما يستدفعها بالدعاء والتحرز من أسباب الآفات ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن وقعت سعى في رفعها بالأسباب الشرعية والكونية التي اعتبرها الرب، جل وعلا، فلا يرد القدر إلا الدعاء، و: "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" كما عند مسلم، رحمه الله، من حديث حابر، رضي الله عنه، مرفوعا، فإذا بذل السبب بذلا صحيحا تولد منه المسبب بإذن الرب، جل وعلا، الكوني النافذ.

قال السيوطي، رحمه الله، في "الديباج على صحيح مسلم":

"قال المازري: نبه به على ما قد يعارض به قوله لكل داء دواء وهو أنه يوجد كثير من المرضى يداوون فلا يبرؤون فقال إنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة لا لفقد الدواء". اهـ

فقد يخطئ الطبيب فيشاء الرب، جل وعلا، ألا يفطن إلى حقيقة الداء فيستعمل له دواء لا ينفع معه، وقد يفطن له ولا يفطن إلى الدواء الملائم، وقد يفطن لكليهما، فلا يشاء الرب، جل وعلا، قبول المحل لآثار الدواء النافع، فمرد الأمر في كل حال إلى إذن الرب، جل وعلا، الكوني النافذ، فإنك إن ذهبت تبحث عن علة الشيء أوصلتك إلى علة سابقة، فما علة نجاح المضاد الحيوي الفلاني في القضاء على البكتيريا الفلانية: علته أن مادة كذا وكذا توقف نمو البروتين الذي يدخل في تكوين الجرثوم، وما علة أن هذه المادة بالذات توقف نمو البروتين: علته أنها تحطم الروابط بين

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير