تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

جزيئاته، وما علة تحطيمها لتلك الروابط، علته: أنها تتفاعل معها تفاعلا كيميائيا يؤدي إلى تحللها، وما علة نجاح هذا التفاعل بين ذينك المتفاعلين تحديدا لما لا يتفاعل ذلك البروتين مع الماء مثلا فيذيبه الماء ويزيل أثره؟، علته: التناسب بين المتفاعلين بتكوين روابط كيمائية جديدة أكثر استقرارا، وذلك مطلوب كل ذرة كيميائية إذ تسعى إلى التشبه بالغازات الخاملة المستقرة التي كفيت مؤنة التفاعل لتصل إلى حال الاستقرار مطلوب كل الكائنات، وما علة هذا التناسب؟: لماذا تتناسب هذه الذرة مع تلك بالذات، علته: أن هذه الذرة تحتاج، على سبيل المثال، جسيما سالبا واحدا لتصل إلى حالة الاستقرار والأخرى تفقده لتصل إلى حالة الاستقرار فناسب أن تتنازل للأولى عنه، ومن الذي جعل هذه الذرة على هذا التركيب وتلك على ذلك التركيب؟ ولم لا تصل الذرة إلى حالة الاستقرار إلا بالوصول إلى الحالة الثمانية التي تمتلئ فيها مدارات بعينها بـ 8 إلكترونات تحديدا، لماذا لم يكن ذلك ببلوغها 10 أو 12 أو ........... إلخ، فلو قال: الطبيعة، فقد نسب، كما يقول أحد الفضلاء المعاصرين، الأمر إلى غير عاقل لا يملك حتى دفع عدوان بني آدم عليه فهم يخربونه ليل نهار بما استحدثوا من وسائل الإفساد والتلويث بكل أنواعه، وإن رده إلى الرب، جل وعلا، فقد رده إلى إله قدير حكيم أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فأعطى الذرة الفلانية تركيبا كيميائيا معينا يلائم التفاعل مع الذرة الفلانية ليتولد من تفاعلهما مركب نافع يقاوم الداء فيبرأ المريض بإذن الله، فهو الذي أودع في ذلك المركب قوة الشفاء، وهو الذي يسر له أسباب العمل بإتمام التفاعل ولو شاء لأوقفه بعارض أو مثبط كما يقع لكثير من التفاعلات الكيميائية التي تتوقف لعارض من محفز سام أو أي مثبط آخر، فمرد الأمر إلى حكمته وقدرته، فبالحكمة أعطى كل دواء خلقه ثم هداه إلى طريق الشفاء، وبقدرته أمضى قوى الشفاء الكامنة فيه فأصابت الداء فرفعته بإذنه الكوني النافذ.

وأما البيت الثاني ففيه من سوء الظن الصريح ما فيه، فصاحبه يعارض التكليف الشرعي بالقدر الكوني، فيرمي الرب، جل وعلا، بأنه قد كلف عباده بما لا يطيقون فقيدهم وألقاهم في اليم آمرا إياهم ألا يبتلوا بالماء، والتكليف بما لا يطاق غير واقع شرعا بالإجماع، وإن جوزه بعض أهل العلم عقلا، فالخلاف نظري لا أثر له في فعل المكلفين ليصح هذا الادعاء الجائر، بل قد ورد النص بنفي ذلك، كما في قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، بل إن الرب، جل وعلا، قد كلف عباده دون ما يطيقون رحمة بهم، فهم يطيقون ست صلوات أو سبعة أو ثمانية .......... إلخ، ولكنه لم يشأ ذلك رحمة بهم، فذلك تأويل دعائهم: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)، وقد اختصت هذه الأمة دون سائر الأمم برفع الآصار التي كانت على من سبقها، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).

يقول ابن أبي العز رحمه الله:

"وقوله، (أي: الإمام الطحاوي رحمه الله): "ولا يطيقون إلا ما كلفهم به"، إلى آخر كلامه - أي: ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه. وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق، لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، و: "لا حول ولا قوة إلا بالله" - دليل على إثبات القدر ولكن في كلام الشيخ إشكال: فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قال: "لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم". وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد، ولا يصح ذلك، لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}. وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ}. وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه، ولكنه تفضل علينا ورحمنا، وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج. ويجاب عن هذا الإشكال بما تقدم: أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق، لا من جهة التمكن وسلامة الآلات". اهـ

فمن جهة الاستطاعة الشرعية التي يتعلق بها التكليف من صحة الآلات وتلاؤم التكليف معها، ويسر الشريعة في إسقاط بعض الأركان والواجبات عن العاجز عن أدائها: لم يكلفنا الله، عز وجل، ما لا نطيق، بل كلفنا، فضلا منه وامتنانا، أدنى مما نطيق، فآلاتنا تطيق من فعل الطاعات أكثر مما يجب علينا، وقد كانت الأمم قبلنا تكلف بأشق مما كلفنا به فلم تعجز عنه، ولكنه، جل وعلا، علم ضعف هذه الأمة وقصر أعمارها من وجه، وأكرمها وشرفها من وجه آخر، فاختصها بأيسر واشرف أجناس العبادات، ففعلها يسير وأجرها عظيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والأمة هي أمة الإجابة سواء أكان المستجيب عربيا أم أعجميا أم أمريكيا أم صينيا أم إفريقيا ........... إلخ، فتلك دعوة عالمية بعث بها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسائر أجناس البرية.

ومن جهة الاستطاعة الكونية التي بها يكون الفعل، وهي متعلق الإرادة الكونية النافذة لا يقدر العبد على أي فعل: طاعة كان أو معصية أو مباحا لا إثم في فعله أو تركه، لا يقدر على ذلك إلا بإقدار الله، عز وجل، له بمشيئته الكونية النافذة.

والله أعلى وأعلم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير