تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ـ[مهاجر]ــــــــ[24 - 12 - 2009, 09:03 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

"ويقول قائلهم:

دعانى وسد الباب دوني فهل إلى ******* دخولي سبيل؟ بينوا لي قصتي". اهـ

ص105.

فذلك من أبيات الكتابي التي نقضها شيخ الإسلام، رحمه الله، في تائيته المعروفة في القضاء والقدر، وهو كحال الجبرية والمشركية يعارض الشرع بالقدر، فيحتج بما لا يعلم من الكتاب الأول، وكأنه قد اطلع على اللوح المحفوظ فعلمه أنه هالك لا محالة، فصار تكليفه بالشرع عبثا، إذ قد سبق في علمه هو أنه هالك!، فيقال له: أعلمت علم الرب، جل وعلا، الأزلي فيك فأطلعك على اللوح المحفوظ الذي لا يطلع عليه غيره فرأيت اسمك في سجل الهالكين ليصح احتجاجك بالقدر على الشرع، فيكون تكليفك عبثا إذ قد سبق الكتاب بهلاكك؟، فإن قال: نعم فقد ادعى لنفسه ما لم يدعه الأنبياء عليهم السلام لأنفسهم: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)، فلا يدعي ذلك إلا كاذب أو مجنون قد اختل عقله فارتفع قلم التكليف عنه فلا يؤاخذ بهذيانه، وذلك حال كل من غلا في ممدوحه أو إمامه أو شيخه فادعى له ذلك كما وقع من أمثال صاحب "البردة" إذ يقول مطريا غاليا في وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:

فإن من جودك الدنيا وضرتها ????? ومن علومك علم اللوح والقلم

وليس للنبي صلى الله عليه وعلى آله سلم بذلك الكذب حاجة، فهو أفضل الخلائق بلا ريب، ولكنه أيضا: ليس منازعا للرب، جل وعلا، صفات ربوبيته بل أخصها!، فالشطر الأول فيه غلو في الملك، إذ أثبت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ملك الدنيا والآخرة بل جعلهما بعض جوده!، فكيف بعموم ملكه؟!، وهو غلو ينقضه نحو قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)، فليس لك من أمر تقليب القلوب وتثبيتها شيء، فالقلوب بيد مقلبها، وإنما لك هداية البيان والإرشاد، والشطر الثاني غلو في العلم ولازمه التدبير، فاستوفى البيت أخص وصفي الربوبية: الخلق للأعيان فهو من تمام ملكها فالخالق هو المالك للعين، والتدبير وهو لازم العلم، فأي غلو أعظم من ذلك، وماذا بقي للرب، جل وعلا؟!، وذلك أمر لازمه الدعوة إلى عبادة الرسل عليهم السلام على حد ما وقع من النصارى الذين غلوا في المسيح عليه السلام فصيروه الإله المعبود، وهو نقيض ما دعاهم إليه من تجريد التوحيد لرب العبيد، عز وجل، وفي التنزيل: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، فلم يأمر البشر بالغلو فيه وعبادته من دون الله، بل قد نهى عن ذلك كما في حديث عمر، رضي الله عنه، مرفوعا: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، فالمحبة لا تعني الغلو في المحبوب كذبا وزورا، فذلك شأن النصارى في المسيح عليه السلام إذ قد غطى سكر الغلو في محبته على عقولهم فأذهبت السكرة الفكرة، بل أذهبت العقل فصار الإيمان عندهم على رسم الجنون!، ولا تسال عن السر فذلك أمر قد حجب عن العقول فلا يخضع للمناقشة ولو كان عين المحال الذي لا ترد به رسالة، فالرسالة ما جاءت إلا لتزكي قياس العقل الصريح لا لتنقضه بزعم معارضة الإيمان القلبي للقياس العقلي.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير