تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فلا تصدر هذه المقالة، كما تقدم، إلا من عقل قد أسكرته لذة الغلو في المحبوب وهو أمر لم يسلم منه كل غال، إذ قد جبل البشر على ذلك فقل أن يسلم منه إنسان، ولو كان على رسم الديانة، فهو مائل بقلبه إلى إمامه فيدعي فيه العصمة بلسان المقال وبنزله منزلة الناظر في اللوح المحفزظ بالباصرة فهو الذي يصدر الأوامر التي هي تأويل ما في اللوح فيتلقاها الباب أو النائب عنه إلى أن يرجع من غيبته فالولاية والعزل له، يولي من شاء ولو هزم في الاقتراع، ويحيط من شاء بالهالات النورانية ولو في مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة!، ويخاطب من شاء ليزكي مرشحا دون آخر، وما يصدر في كل ذلك إلا عما قرأه في اللوح المحفوظ! وقل مثله فيمن يغلو في شيخه من غلاة أهل الطريق فقد ادعى الغلاة لشيوخهم بل لأنفسهم مراتب الربوبية تكوينا وتدبيرا، وجنس الآفة واحد: الغلو في الأفاضل إن كانوا أنبياء وأئمة مبجلين وشيوخ صالحين، أو الأسافل إن كانوا غير ذلك وخدع البسطاء فيهم بما أظهروه من الخوارق برسم الكرامة والولاية.

والشاهد أن المحتج بالقدر على الشرع يلزمه أن يقيم الدليل القاطع على كونه ممن سبق في علم الله، عز وجل هلاكهم، فصار التكليف في حقه عبثا، فإن نفى وقال: لا أعلمه، فقد بطلت حجته، فإذا كان لا يعلم صار التكليف في حقه جائزا بل واجبا لحصول النجاة، فيخاطب بالإيمان إن كان كافرا وبالطاعة إن كان عاصيا، فكما اختار الكفر بإرادته فلم يكرهه أحد عليه فليختر الإيمان، وهو لا بد مختار ولا بد فاعل بما جبل عليه من الهم والإرادة، فإن لم يتحرك طلبا للحق عدل عنه إلى الباطل لا محالة، فاشتغال المحل بجنس الإرادة حتم لازم، فذلك من لوازم حياته، إذ لا ينفك حي عن تصور علمي يولد في الخارج حكما عمليا يشهد للتصور، سواء أكان تصورا صحيحا أم باطلا، فالظاهر منتصر لا محالة للباطن، فإن لم يشغل المحل بإرادة صالحة، ولا تتلقى الإرادات الصالحة في أمر الديانة إلا من وحي الرسالة، فلا بد من النبوة لتضئ العقل فتزكي قياسه وتصحح تصوره، فيتولد من ذلك من أجناس الطاعات القلبية واللسانية والبدنية ما تحصل به النجاة في الدار الأخروية، إن لم يشغله بإرادة صالحة فهو لا محالة مشغول بإرادة طالحة، وذلك تأويل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"، فكل ميسر لما خلق له فمن كان من أهل السعادة يسرت له أسبابها، ومن كان من أهل الشقاوة يسرت له أسبابها، فالعمل كائن لا محالة، والعامل لا يجد في نفسه أنه حال مباشرة العمل مجبور ليصح احتجاجه بالقدر من هذا الوجه، بل هو يتحرك في هذه الدار باختياره، بل إن حركاته الاضطرارية، كحركة الأحشاء في باطنه لا يؤاخذ عليها إذ لا يتعلق تكليف بها لخروجها عن حد إرادته، فالتكليف لا يتعدى دائرة المقدور، ولا قدرة لأحد على التحكم في أحشائه، فذلك مما يتعلق بالقدر الكوني الذي يخرج عن نطاق إرادة العبد فلا تتجاوز حد القدر الشرعي الذي جاء به تكليف النبوات، بل إنه إن أكره على فعل لم يؤاخذ به، على خلاف في القتل والزنى ذكره أهل الأصول في مبحث "عوارض الأهلية"، فالشاهد أنه يختار الكفر بإرادته التي لا تخرج عن حد الإرادة الكونية النافذة، فيباشر أعماله مباشرة الفاعل للمفعول بقوة مؤثرة، فلم لا يباشر الإيمان بنفس القوة؟!، وقد عرض عليه، ولِمَ يعرض عن النظر فيه لعله يكون حقا؟! وقد ادعى من جاء به أنه كذلك بل ادعى النبوة التي هي أعظم دعوى بشرية فلا بد أن يؤيده الرب جل وعلا إن كان صادقا ببراهين قاطعة تجعل الناظر فيها يجزم بصحة دعواه ولا بد في المقابل أن يخذله ويفضحه بكشف ستره إن كانت دعواه كاذبة وهل يستوي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومسيلمة؟!، ولم يختار ويدقق في أمر الدنيا ولا يفعل ذلك في أمر الدين، فلا حجة صحيحة له في ذلك لقصور علمه عن إدراك ما في اللوح المحفوظ، ولا حجة له صحيحة في عالم الشهادة فهو يختار أمر دينه ودنياه فإن أكره فلا اعتبار لإكراهه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، فإذا كان ذلك الاستفهام الإنكاري الإبطالي لكون النبي صلى الله عليه وعلى

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير