تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

آله وسلم يكره أحدا على الإيمان وهو المؤيد بالوحي الشرعي والقدر الكوني على حد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ"، فقد سخر الباري، عز وجل، له أسباب الكون لما قام بأسباب الشرع أكمل قيام فلم يحقق مراد الرب، جل وعلا، الشرعي، أحد مثله، إذا كان ذلك الاستفهام الإنكاري واردا في حقه فكيف بمن دونه من أتباع الرسالة؟!، فـ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، والإنسان، كما تقدم، عامل لا محالة، بل حتى المحتج بالقدر على الشرع يعمل بخلاف الشرع بإرادة مختارة!، فلم لا يجعلها على مراد الشرع؟!، فالمحل قابل لكليهما إذ الاستطاعة الشرعية التي يتعلق بها التكليف قابلة لكليهما، فإذا شغلت بأحدهما انشغلت عن ضده فمن تلبس بالطاعة فقد شغل بها عن المعصية، ومن تلبس بالمعصية فقد شغل بها عن الطاعة فجاز من هذا الوجه أن يقال إن تكليف العاصي بالطاعة من باب التكليف بغير المقدور لا لعدم القدرة ابتداء فإن التكليف لا يكون بمحال، ولكن لاشتغال المحل بضد المراد الشرعي فلا يقبل المحل الواحد الضدين في نفي الوقت بل إذا وجد أحدهما ارتفع الآخر لا محالة، فإذا وجدت الطاعة ارتفعت المعصية، وإذا وجدت المعصية ارتفعت الطاعة، كما أشار إلى ذلك ابن أبي العز، رحمه الله، في "شرح الطحاوية".

وبقي أن يقال بأن حجته باطلة أيضا من جهة احتجاجه بأنه لا ذنب له في معصية آدم عليه السلام فقد أهبط من الجنة وهو في صلب أبيه دون أن تقترف يداه شيئا، فقد أخذ عليه الميثاق فأقيمت عليه الحجة، ثم نسيه لئلا تبطل الحكمة في التكليف الشرعي فيصير بعث الرسل عليهم السلام عبثا، إذ لو علم كل مصيره، كما تقدم، ما صار للتكليف جدوى، فلما نسيه إلا أثرا مجملا من فطرة التوحيد المركوزة في كل مولود لما يتأثر بدين أبويه إن كانا مشركين، كان من رحمة الله، عز وجل، أن بعث إليه الرسل عليهم السلام لتذكره بذلك الميثاق الأول، فإن مات قبل البلوغ فالميثاق الأول بنفعه فهو ناج على الراجح من أقوال أهل العلم في أطفال المشركين الذبن ماتوا قبل البلوغ فلم يجر قلم التكليف الشرعي عليهم ليجازوا بإيمان أو كفر، وإن بلغ لزمه الميثاق الثاني: ميثاق النبوات المجدد للميثاق الأول المفصل لمجمله بما جاءت به النبوات من أخبار وأحكام، فإن التزمه فهو ناج في دار الجزاء , وإلا هلك، وقد علم الرب، جل وعلا، في كلا الحالين مقعده من الجنة أو النار، ولكنه، تبارك وتعالى، حجبه في دار الابتلاء إظهارا لحكمته ثم هو ينفذه في دار الجزاء إظهارا لقدرته فيدخل أهل الجنة الجنة بفضله، ويدخل أهل النار النار بعدله.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[25 - 12 - 2009, 08:27 ص]ـ

قال ابن القيم رحمه الله:

"ويقول الآخر:

وضعوا اللحم للبزاة ******* على ذروتي عدن

ثم لاموا البزاة إذ ******* خلعوا عنهم الرسن

لو أرادوا صيانتي ******* سَتروا وَجْهَك الحسن". اهـ

ص106.

فهو يرى أن مجرد تعرضه للفتنة كونا كاف في إقامة الحجة له على عشقه المحرم، فكل من عرضت له صورة حسنة فلا عليه أن يعشقها، ويسترسل في ذلك موافقة للقدر الكوني، فهو عندهم، كما تقدم، ملازم للرضا، فالرب، عز وجل، رضي منه أن يتقحم هذا الأمر ويتمادى فيه مع كونه مما يصرفه عن إقامة عبودية الظاهر والباطن، كما قد علم من حال عشاق الصور، فإنهم في فساد عريض، فظاهرهم عليل بإرسال الطرف الذي يولد في النفس حسرة ومرارة لفوات المحبوب، إذ لا يقدر أحد على نيل كل صورة تتشوف إليها نفسه، وإن كان له من الجاه والمال ما له، فصارت السلامة، كل السلامة، في غض الطرف عن الصور المحرمة، ولو كانت حسنة الشكل، موائمة للطبع، فإنه سينال منها حظ نفس عاجل، بسكر عقله، فتذهب فكرته، فلا همة له آنذاك إلا في تحصيل تلك اللذة الموهومة التي يعقبها من الآلام ما يفوق منفعتها العارضة، وذلك خلاف قياس العقل الذي غيبه، فإنه قاض باحتمال المفسدة الصغرى كالمرارة العارضة التي يجدها المريض من تناول الدواء

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير