تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

التاريخ لا سيما أصحاب المناهج المادية فإن كل المعايير المادية تأبى وقوع ما وقع من تمدد إسلامي راشد، بل لو كان الأمر ماديا بحتا لأزيلت هذه الدولة من على وجه الأرض بعد وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وظهور حركة الردة العامة التي كانت أشبه ما تكون بالعصيان المدني والعسكري العام، ومع ذلك نجح الصحابة رضي الله عنهم في القضاء على تلك الحركات وتوحيد الجبهة الداخلية برسم التوحيد ثم انطلقت جيوشهم لتقوض أركان العالم القديم وتقيم عالما آخر برسم النبوة لا برسم طغيان كسرى وقيصر، والمتأمل في حال هذه الدولة يقطع يقينا:

بأنها من أعظم دلالات النبوة إذ لا يمكن الرب، جل وعلا، على هذا النحو إلا لرسله عليهم السلام وأتباعهم فذلك تأويل قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)، وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا).

وبأن الدولة الدينية في الإسلام ليست دولة كهنوتية كما يروج العلمانيون الذين يثيرون رعب بسطاء المسلمين من تنامي المد الإسلامي المبارك في مصر فيصورون أهل الالتزام من العلماء والدعاة بأنهم مفتو الإرهاب والقتل والتعصب وأعداء المرأة، وبأنهم متخلفون لا علم لهم بالصناعات الحديثة من كمبيوتر وإنترنت , ......... إلخ مع أن كثيرا منهم عند التحقيق لا يكاد يفقه شيئا في الحاسب الآلي وإنما هي محض "جعجعة" كما يقال عندنا في مصر، فالصراخ ليل نهار بأنه لا بد من استيراد التكنولوجيا ووسائل البحث العلمي وبأن الإسلام هو العائق أمام تلك النهضة المباركة ثم لا ترى إلا استيراد كل قبيح فاحش من الغرب الذي يحجب عنهم ثمرة بحوثه التجريبية النافعة ويلقي إليهم بفتات موائدة ليقتاتوا عليها، وقد وصل بنا الحال في ظل دولتهم المدنية المزعومة إلى ما نحن فيه الآن، ومع ذلك يظل الإسلام هو العائق والدولة الدينية هي العدو الأعظم، والقوم جهلة لا يعرفون الدولة الدينية إلا دولة كدولة الكنيسة الغابرة والمعاصرة، أو دولة كدولة فارس المنحرفة عقديا، فلم يعرفوا دولة إسلامية راشدة لعظم جهلهم بتاريخ هذه الأمة، لم يعرفوها ليصححوا تصورهم الفاسد قبل إصدار هذه الأحكام العشوائية التي تدل على السطحية وعدم النزاهة.

ويقطع أخيرا بالفارق الشاسع بين قيادة الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم للدول، كما قاد صلى الله عليه وعلى آله وسلم دولة المدينة وقادها من بعده الأئمة المهديون، رضي الله عنهم، وقيادة غيرهم من أئمة الجور المترسمين برسوم الجلالة والسمو والمعالي والفخامة والضخامة ...... إلخ من ألقاب المملكة التي تقلدها الهر يحكي انتفاخا صولة الأسد.

فحيث كانت نبوة أو إمامة برسمها فثم عدل يأمن فيه المخالف قبل الموافق، فثم يهودي يقاضي أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه، وهو أفضل أهل الأرض آنذاك بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، يقاضيه أمام شريح القاضي، رحمه الله، فيحكم شريح له على الخليفة، فثم عبد الله بن رواحة، رضي الله عنه، الذي يحاول يهود رشوته فيقول: «يا أعداء الله أتطعموني السحت، والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم»، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.

وحيث كانت نبوة فثم بركة في الدين والدنيا، وحيث كانت نبوة فثم صلاح وعمارة للكون، فإذا درست آثارها فذلك مؤذن بقرب زوال الممالك، على حد قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)، ولا يكون ذلك إلا إذا خفيت أعلام النبوة، فإن زالت بالكلية فذلك مؤذن بقيام الساعة تأويلَ قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ"، كما ذكر ذلك بعض المحققين من أهل العلم كابن تيمية رحمه الله.

فالنبوة هي معدن صلاح الدين والدنيا.

والله أعلى وأعلم.

ـ[العصيماء]ــــــــ[08 - 12 - 2009, 11:11 ص]ـ

الله المستعان، وهو الحكيم الخبير .. والعزيز العليم 0

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير