تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

لحوم الضآن والدجاج، ولا يغبطون السمن من بين الأدم لتفاهته، فتقل الرطوبات لذلك في أغذيتهم ويخف ما تؤديه إلى أجسامهم من الفضلات الرديئة. فلذلك تجد جسوم أهل الأمصار أهل الأمصار ألطف من جسوم أهل البادية المخشنين في العيش. وكذلك تجد المعودين بالجوع من أهل البادية لافضلات في جسومهم غليظة ولا لطيفة.

واعلم أن أثر هذا الخصب في البدن وأحواله يظهر حتى في حال الدين والعبادة، فنجد المتقشفين من أهل البادية أو الحاضرة ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجافي عن الملاذ أحسن ديناً وإقبالاً على العبادة من أهل الترف والخصب. بل نجد أهل الدين قليلين في المدن والأمصار لما يعمها من القساوة والغفلة المتصلة بالإكثار من اللحمان والأدم ولباب البر. ويختص وجود العباد والزهاد لذلك بالمتقشفين في غذائهم من أهل البوادي. وكذلك نجد حال أهل المدينة الواحدة في ذلك مختلفاً باختلاف حالها في الترف والخصب. وكذلك نجد هؤلاء المخصبين في العيش المنغمسين في طيباته من أهل البادية وأهل الحواضر والأمصار، إذا نزلت بهم السنون وأخذتهم المجاعات يسرع إليهم الهلاك أكثر من غيرهم، مثل برابرة المغرب وأهل مدينة فاس ومصر فيما يبلغنا، لا مثل العرب أهل القفر والصحراء، ولا مثل أهل بلاد النخل الذين غالب عيشهم التمر، ولا مثل أهل إفريقية لهذا العهد الذين غالب عيشهم الشعير والزيت، وأهل الأندلس الذين غالب عيشهم الذرة والزيت، فإن هؤلاء وإن اخذتهم السنون والمجاعات فلا تنال منهم ما تنال من أولئك ولا يكثر فيهم الهلاك بالجوع بل ولا يندر. والسبب في ذلك والله أعلم أن المنغمسين في الخصب، المتعودين للأدم والسمن خصوصاً، تكتسب من ذلك أمعاؤهم رطوبة فوق رطوبتها الأصلية المزاجية حتى تجاوز حدها، فإذا خولف بها العادة بقلة الأقوات وفقدان الأدم واستعمال الخشن غير المألوف من الغذاء أسرع إلى المعي اليبس والانكماش، وهو عضو ضعيف في الغاية، فيسرع إليه المرض ويهلك صاحبه دفعة لأنه من المقاتل. فالهالكون في المجاعات إنما قتلهم الشبع المعتاد السابق لا الجوع الحادث اللاحق. وأما المتعودون للعيمة وترك الأدم والسمن فلا تزال رطوبتهم الأصلية واقفة عند حدها من غير زيادة، وهي قابلة لجميع الأغذية الطبيعية، فلا يقع في معاهم بتبدل الأغذية يبس ولا انحراف، فيسلمون في الغالب من الهلاك الذي يعرض لغيرهم بالخصب وكثرة الأدم في المآكل.

وأصل هذا كله أن تعلم أن الأغذية وائتلافها أو تركها إنما هو بالعادة. فمن عود نفسه غذاء ولاءمه تناوله كان له مألوفاً وصار الخروج عنه والتبدل به داء، ما لم يخرج عن غرض الغذاء بالجملة كالسموم واليتوع وما أفرط في الانحراف. فأما ما وجد فيه التغذي والملاءمة فيصير غذاء مألوفاً بالعادة. فإذا أخذ الإنسان نفسه باستعمال اللبن والبقل عوضاً عن الحنطة حتى صار له ديدناً فقد حصل له ذلك غذاء واستغنى به عن الحنطة والحبوب من غير شك. وكذا من عود نفسه الصبرعلى الجوع والاستغناء عن الطعام كما ينقل عن أهل الرياضات، فإنا نسمع عنهم في ذلك أخباراً غريبة يكاد ينكرها من لا يعرفها. والسب في ذلك العادة، فإن النفس إذا ألفت شيئاً صار من جبلتها وطبيعتها لأنها كثيرة التلون، فإذا حصل لها اعتياد الجوع بالتدريج والرياضة فقد حصل ذلك عادة طبيعية لها. وما يتوهمه الأطباء من أن الجوع مهلك فليس على ما يتوهمونه إلا إذا حملت النفس عليه دفعة، وقطع عنها الغذاء بالكلية، فإنه حينئذ ينحسم المعي ويناله المرض الذي يخشى معه الهلاك. وإذا كان ذلك القدر تدريجاً ورياضة بإقلال الغذاء شيئاً فشيئاً، كما يفعله المتصوفة، فهو بمعزل عن الهلاك. وهذا التدريج ضروري حتى في الرجوع عن هذه الرياضة. فإنه إذا رجع به إلى الغذاء الأول دفعة خيف عليه، الهلاك وإنما يرجع به كما بدأ في الرياضة بالتدريج. ولقد شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يوماً وصالاً وأكثر. وحضر أشياخنا بمجلس السلطان أبي الحسن وقد رفع إليه امرأتان من أهل الجزيرة الخضراء ورندة حبستا أنفسهما عن الأكل جملة منذ سنين، وشاع أمرهما ووقع اختبارهما فصح شأنهما، واتصل على ذلك حالهما إلى أن ماتت. ا ورأينا كثيراً من أصحابنا أيضاً من يقتصر على حليب شاة من المعز يلتقم ثديها في بعض النهار أو عند الإفطار، ويكون ذلك غذاءه، واستدام على ذلك خمس عشرة سنة كثير، ولا يستنكر ذلك.

واعلم أن الجوع أصلح للبدن من إكثار الأغذية بكل وجه، لمن قدر عليه أو على منها، وأن له أثراً في الأجسام والعقول في صفائها وصلاحها كما قلناه، واعتبر بآثار الأغذية التي تحصل عنها في الجسوم. فقد رأينا المتغذين بلحوم الحيوانات الفاخرة العظيمة الجثمان تنشأ أجيالهم كذلك. وهذا مشاهد في أهل البادية مع أهل الحاضرة وكذا المتغذون بألبان الإبل ولحومها أيضاً، مع ما يؤثر في أخلاقهم من الصبر والاحتمال والقدرة على حمل الأثقال الموجود ذلك للإبل، وتنشأ أمعاؤهم أيضاً على نسبة أمعاء الإبل في الصحة والغلظ، فلا يطرقها الوهن ولا الضعف، ولا ينالها من مضار الأغذية ما ينال غيرهم فيشربون اليتوعات لاستطلاق بطونهم غير محجوبة، كالحنظل قبل طبخه والدرياس والقربيرن، ولا ينال أمعاءهم منها ضرر. وهي لو تناولها أهل الحضر الرقيقه أمعاؤهم بما نشأت عليه من لطيف الأغذية لكان الهلاك أسرع إليهم من طرفة العين، لما فيها من السمية. ومن تأثير الأغذية في الأبدان ما ذكره أهل الفلاحة وشاهده أهل التجربة أن الدجاج إذا غذيت بالحبوب المطبوخة في بعر الأبل واتخذ بيضها ثم حضنت عليه جاء الدجاج منها أعظم ما يكون. وقد يستغنون عن تغذيتها وطبخ الحبوب بطرح ذلك البعر مع البيض المحضن فيجيء دجاجها في غاية العظم. وأمثال ذلك كثير، فإذا رأينا هذه الآثار من الأغذية في الأبدان فلا شك أن للجوع أيضاً آثاراً في الأبدان، لأن الضدين على نسبة واحدة في التأثير وعدمه، فيكون تأثير الجوع في نقاء الأبدان من الزيادات الفاسدة والرطوبات المختلطة المخلة بالجسم والعقل كما كان الغذاء مؤثراً في وجود ذلك الجسم. والله محيط بعلمه.)) ا. هـ

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير