تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ومعلوم أن عددا غير قليل من العلماء الراسخين، ليس لهم مصنفات في علم أصول الفقه، ولكن لهم تراث أصولي نفيس مبثوث في كتبهم الفقهية أو التفسيرية أو في كتب ليس لها تصنيف محدد، أذكر هنا على سبيل المثال ابن جرير الطبري، وأبا سليمان الخطابي، وابن عبد البر، وابن دقيق العيد، وابن عبد السلام، وابن القيم.

وواضح أن ما أدعو إليه من التأريخ والدراسة التاريخية لعلم أصول الفقه لا يحققه كذلك ما ألف وأنجز من تراجم الأصوليين ومن أعمال ببليوغرافية، فهذه تمثل حلقات صغيرة متقطعة، مفيدة بدون شك، ولكنها بعيدة عن تقديم الصورة العامة التي أقصدها.

وهنا لابد من التنويه بالعمل الجيد الذي قدمه الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان في كتابه القيم"الفكر الأصولي، دراسة تحليلية نقدية"، فهو عينة قريبة مما أدعو إليه، ويمكن اعتباره حلقة أولى- أو مبادرة أولية- في هذا المشروع. وكذلك الأطروحة التي قدمها بهذه الكلية الأستاذ عبد السلام بلاجي.

ولاشك أن هذا المشروع الكبير يحتاج إنجازه إلى فريق من الباحثين المختصين في حدود العشرة. ولا بأس إذا تكرر إنجاز هذا العمل مرتين أو عدة مرات، أو تكرر البحث والتأليف في بعض جوانبه وحلقاته، لكي تكون هذه الإنجازات يكمل بعضها بعضا، ويسدد بعضها بعضا، ويصحح بعضها بعضا فأسأل الله تعالى أن يقيض لهذا المشروع من يقومون له ويقومون به بتوفيقه وعونه سبحانه.

ثانيا /الدراسة الأصولية للقرآن والسنة:

جرت عادة الأصوليين أن يقرروا الأصول والأدلة والقواعد، ثم يلتمسون الاستدلال عليها من القرآن والسنة، ومن غيرهما من الوجوه الاستدلالية النقلية والعقلية. فتجدهم يقولون- مثلا-: القياس حجة شرعية، والدليل من القرآن كذا ومن السنة كذا. والإجماع حجة ودليله الآية كذا والحديث كذا. وهكذا في بقية الأدلة، وفي كثير من الأصول و القواعد المعتمدة والمرجحة عندهم. ثم يأتي اللاحقون - إلى يومنا هذا- فيأخذون الأمور بهذه الطريقة نفسها: مقررات أو مسلمات، أو اختيارات أصولية، ثم يؤتى بدليلها من آية أو آيتين أو حديث أو حديثين.

ما أدعو إليه الآن هو أن نعمد إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فندرسهما دراسة أصولية كاملة، بحيث نستخرج وندرس كل نص شرعي له دلالة أصولية وبعد أصولي.

لقد تناقش الأصوليين في عدد آيات الأحكام، فقيل إنها مائة وخمسون آية، وقيل بأكثر من هذا، وأظن أنهم لو تناقشوا في عدد الآيات الأصولية لما خرجت تقديراتهم عن حدود العشرات. وآية ذلك أننا لو نظرنا في كثير من المصنفات الأصولية لوجدنا أن الآيات التي يدور عليها تأصيلهم وتقعيدهم واستشهادهم لا تخرج في مجموعها عن العشرات. وهذا يرجع إلى طريقتهم التي ذكرتها.

بعبارة أخرى يجب أن نتخذ القرآن والسنة مصدرا أولا ومباشرا لكل القضايا والقواعد الأصولية، ثم بعد ذلك تأتي بدهيات العقول والتجارب. في هذه الحالة لا يبقى القرآن والسنة مجرد مرجع وشاهد، يتم النظر فيهما لاقتناص الشواهد والدلالات عند الحاجة إليها. بل ندرسهما دراسة كاملة لاستخراج كل مقتضياتهما الأصولية، مع ما يلزم من ضم وتركيب واستنتاج.

مثلا لو درسنا موضوع "الاستصلاح في القرآن الكريم" أو "الاستصلاح في السنة النبوية" أو "القياس في القرآن والسنة" أو "القواعد التشريعية في القرآن" وكذلك في السنة، في هذه الحالة سنجد أن أنفسنا أمام ثروة أصولية جديدة، وربما أمام ثورة أصولية جديدة.

الدارس في هذه الحالة لا يحتاج إلى الاغتراف من التركة الأصولية وقضاياها ورصيدها، بل يحتاج منها أساسا أن يعرف وظائف علم أصول الفقه والطبيعة الكلية والمنهجية لقواعده وأحكامه، ثم ينطلق في بحثه ودراسته، مستعينا في ذلك بالأصوليين والمتكلمين، كما بالمفسرين والفقهاء واللغويين وغيرهم.

وفي هذه الحالة وبهذه الطريقة سنجد للقرآن والسنة مكانة ومساحة في علم أصول، أو نجد لعلم أصول الفقه مكانة ومساحة في القرآن والسنة، هي على كل حال أضعاف ما نعهده في المصنفات والدراسات الأصولية السائدة.

ثالثا /الدراسات الأصولية المقارنة:

للدراسات المقارنة أهمية علمية لا تخفى على العلماء والدارسين. ومن ثمراتها أنها تؤدي إلى تلاقح العلوم المختلفة وتفاهم العقول المتباعدة، كما تؤدي إلى بلورة القضايا المشتركة والقواعد المنهجية العامة لدى مختلف الحقول المعرفية.

ولاشك أن كافة العلوم، قد عرفت في هذا العصر نموا وتقدما كبيرين، كما أن العلوم الإسلامية - وإن كانت قد تحركت ونشطت في هذا العصر- لم تسترجع بعد مكانتها الريادية. ولذلك لا نتردد في القول: إنها مسبوقة ومتجاوزة في كثير من الجوانب. ولذلك فإن أهلها بحاجة إلى الاستفادة من كل من سبقهم في أي جانب من الجوانب. وهنا تأتي أهمية الدراسات الأصولية المقارنة.

على أن هذا اللون من الدراسات سيكشف كذلك عن مواطن السبق والريادة والتفوق في علم أصول الفقه، مما يجعله يستفيد ويفيد.

ومن المجالات العلمية التي تصلح للدراسة المقارنة مع علم أصول الفقه:

1 - المجال القانوني التشريعي.

2 - المجال اللغوي اللساني.

3 - مناهج الفكر والبحث في العلوم الإنسانية.

4 - المقارنة- كذلك- بين الفكر الأصولي السني ونظيره الشيعي، القديم والحديث.

ومعلوم أن هناك خطوات قد تم إنجازها في هذه المجالات كلها، ولكنها - حسب علمي- ما زالت محدودة، وما زالت الحاجة واسعة إلى هذه اللون من البحوث والدراسات.

....

والبحث في الملف (بشكله الكامل كما وجدته).

والله أعلم وأحكم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير