تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ثم قالوا لأبيه إما أن تسلمنا أدرع امرئ القيس أو نقتل ابنك .. فأبى وأصر على وفائه .. فما كان منهم إلاَّ أن قتلوا

ابنه أمام عينيه قام الحارث بضربه في وسطه بالسيف فقطعه نصفين ..

ولم يندم السموأل على ذلك ..

أفيكون اليهودي أوْفى من بعض شباب وقتنا الذين تعصف بهم عواصف الفكر

وتتحكم بهم أهواؤهم فينسون وفاءهم!

وهم يجلجلون في المجالس والمساجد والمنتديات الخاصة والعامة ..

بالدعوة إلى الأخلاق .. الأخلاق .. الأخلاق! ..

فإذا ما جاء التطبيق رأيت انفصاماً بين ما يقولون وما يفعلون.

أليس الوفاء من أخلاق الكرماء ..

التي كانت من سيما الجاهلية عند العرب الأقحاح فجاء الإسلام فأقرها فأضعناها نحن بما ظنناه مسوِّغات شرعيَّة!.

ألم يحفظ النبي صلى الله عليه وسلم لكافرٍ يداً .. ألم ..

عفواً! خذوا القصة حتى تفهموا ما أقول:

عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من رحلة الطائف التي كان فيها ما كان ..

من إيذاء ثقيف له وضربه بالحجارة .. وعندما أراد أن يدخل مكة لم يستطع الدخول إلاَّ في جوار المطعم بن عدي وكان كافراً .. كان هذا في مكة ..

ثم مات المطعم بن عدي وبعد ذلك بسنواتٍ طويلة وفي غزوة بدر الكبرى وبعد أن ألقى النبي صلى الله عليه وسلم بجثث الكفار الذي قتلوا في المعركة في قليب [2] بدر ..

وقف النبي صلى الله عليه وسلم عملاقاً عظيماً في الوفاء ..

وقف عليه الصلاة والسلام على قليب بدر وتذكر المطعم بن عدي ..

فقال: _ لو كان المطعم بن عدي حياً فكلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له! ..

الله أكبر! لم يقل إن هذا كافر ولا يستحق الوفاء!

* * *

إني لأعجبُ من أناسٍ يحفوّن بك عن اليمين وعن الشمال في كل مناسبة وفي غير مناسبة ..

ثم إذا ألمت بك الملمات وادلهمت عليّك الخطوب ..

رأيتهم أيضاً عن اليمين وعن الشمال لكنهم عزين! (متفرقين) .. !

إن رأتني تميل عنيّ كأن لم يكن بيني وبينها أشياءُ

ما أجمل الوفاء في الشدائد!

الشدائد التي تبيّن معادن الرجال، وتميز الخبيث من الطيِّب.

والله لقد عجبت من موقف قرأته في السيرة عجباً استدر الدمع من عيني:

عندما حضرت الوفاة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أرسلت إليه عائشة أن يدفن في حجرتها مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ..

فماذا تتوقعون جواب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؟

لاشك أنكم ستقولون أنه سيوافق بلا تردد؟

وهل بعد هذا من شرف؟.

لا .. إنه اعتذر إليها بأمرين،

الأول: أنه لا يريد أن يضيّق عليها بيتها ..

والآخر: أنه كان بينه وبين طلحة بن عبيد الله عهدٌ أن يُدفنا بجوار بعضهما إذا ماتا!.

فالله أكبر ما أجمل وفاءك يا بن عوف ..

* * *

إن الأوفياء من الرجال لقليل وإنهم في زماننا هذا أقل من القليل!.

يقول شيخ جليل:

دخلت مع أبي الطاعن في السن الذي قارب التسعين من عمره

– قبل وفاته رحمه الله بسنة - منزلاً لنا قديماً مهجوراً،

وكعادة هؤلاء الكبار الذين يكثر اهتمامهم بكل ما حولهم دقَّ أوجلَّ،

فقد أخذ يبحث في البيت عن أشياء عفى عليها الزمن وأكل عليها الدهر وشرب ..

وأنا لست أعلم ماذا يريد ولا أستطيع مخالفته،

وفجأة توقف ورفع ظهره وتنهد تنهيدة طويلة ثم نظرت إليه فإذا عيناه تذرفان،

وإذا به يمسك بيده عصا قديمة كان يتوكأ عليها جدي رحمة الله عليهما جميعاً ..

فحضنته كالطفل ووضعت ذراعي من خلفه مصبّراً إياه وذهبت به إلى البيت،

تسعون عاماً لم تكن كافية لطمس معالم الوفاء في صدر هذا الشيخ لأبيه

الذي سبقه إلى الله.

ومالي أذهب بعيداً؟

ألم يبكِ أبو بكر ٍالصديق رضي الله عنه شيخ المسلمين وصاحب نبيهم صلى الله عليه وسلم في الغار

والدار ... بكى عندما صعد منبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته .. فأراد أن يتكلم فتذكر حبيبه

عليه الصلاة والسلام فغصَّ وبكى ولم يستطع الكلام ..

فقال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .. ثم نزل.

* * *

تلك معانٍ جالت في خاطري، ولست أعلم أأصبت فيها أم أخطأتُ،

ولكن الذي أعلمه أنني أخرجتها

من صميم الفؤاد بزفرة طويلة أحسست بحرارتها تُلهب صدري.


[1]- قيل أن كلاً منهما لم يكن يعترف للآخر بالفضل وينكر هذا أن هذا
أمير الشعراء وذاك أن هذا شاعر النيل: فقال حافظ إبراهيم معرضاً بأحمد شوقي:

يقولون إن الشَّوق نارٌ ولوعة ٌ
.................. فما بال شوقي أصبح اليوم بارداً ..

فرد عليه شوقي بالبيت المتقدم
[2]- بئر بدر.

^
^
^

مقال للشيخ / موسى محمد الزهراني

وجد صدى في الأعماق

فعرضتهُ

لعله ينال رضى

مع بعض التصرف

ـ[محمد التويجري]ــــــــ[12 - 08 - 2010, 06:02 ص]ـ
الوفاء من الخصال النادرة ولا نجدها في شخص إلا وجدنا معها خصالا حميدة أخرى

وكما أن الكذب رأس الشر والمصاحب لكل خلق ذميم

فإني أرى الوفاء مصاحبا لكل خلق حسن

بورك النقل
¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير