الجواب: إن هذا يؤيد ذلك من بعض الوجوه، ولكن الفرق أن هذا لخلل في المعقود عليه لا في المعقود له، في المسألة الأولى تعذر الانتفاع في المعقود له، وهنا تعذر الانتفاع في المعقود عليه وهو الأرض أو الدار، ومع ذلك فقد نقول: إن هذا الفرق غير مؤثر؛ لأن الانتفاع قد تعذر في هذا وفي هذا بغير إرادة الإنسان.
140 - ص (76)
قوله: " ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ " أفادنا المؤلف - رحمه الله - أن الأجراء نوعان، أجير خاص، وأجير مشترك.
فما الفرق بينهما؟
ما كان مستأجراً بالزمن فهو أجير خاص، وما كان مستأجراً على عمل فهو أجير مشترك ويظهر ذلك بالمثال:
استأجرت عاملاً يعمل عندك في البيت، أو في الدكان، أو في المزرعة، فهذا أجير خاص؛ لأن عمله مقدر بالزمن، فالشهر بكذا وكذا، والأسبوع بكذا وكذا، واليوم بكذا وكذا.
استأجرت خياطاً يخيط لك ثوباً، فهذا مشترك؛ لأن نفعه مقدَّر بالعمل، وإنما سُمِّي الأول خاصاً لأن زمنه خاص بالمستأجر، لا يملك الأجير أن يتصرف فيه، فهو لا يملك أن يعمل عند رجل آخر في هذه المدة؛ لأن المدة خاصة بالمستأجر، والمشترك ليس خاصاً بالمستأجر، فقد فتح بابه لكل أحد، فتجد الخياط - مثلاً - يأتيه فلان وفلان وفلان، كل واحد منهم يريد أن يخيط له ثوباً.
إذاً الفرق بين الخاص والمشترك:
أن ما قدَّر نفعه بالزمن فهو خاص، وما قدَّر بالعمل فهو مشترك.
فرق آخر: أن الأجير الخاص منفعته مملوكة مدة الأجرة، والأجير المشترك منفعته غير مملوكة.
هل يمكن أن يجتمعا، بمعنى أن أستخدم هذا الرجل عندي على عمل معين، أقول له مثلاً: أنا أريد أن أستأجرك لمدة خمسة أيام تخيط لي كذا وكذا ثوباً؟
الجواب: لا؛ لأن الخاص يقضي على العام، مادمت قد قدَّرت مدته بالزمن فهو خاص، وإن كنت قد عيَّنت له عملاً معيناً، وتكون الإجارة فاسدة، هذا هو المذهب.
والصواب: أنه يجوز الجمع بين مدة العمل والعمل؛ لأن فيه مصلحة، ويستعمل هذا بعض الناس في المقاولات فيقول: تنفذ هذا البيت في خلال سنة، فإن تمت السنة فعليك لكل يوم خصم كذا وكذا، فالصحيح أنه جائز بشرط أن تكون المدة المقدرة معقولة، بحيث إن هذا البيت يبنى في هذه المدة، أما إذا كان يبنى في سنة وقال: في ستة أشهر فإن هذا لا يجوز؛ لأنه غرر.
وانتبه للفرق بينهما من حيث الحكم، فقوله " ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ " وذلك لأن الأجير الخاص يعمل كالوكيل عن المستأجر.
مثال ذلك: استأجرت عاملاً عندك شهراً بكذا وكذا ليعمل، وفي يوم من الأيام أخطأ في العمل وصار في هذا الخطأ ضرر عليك؟ يقول المؤلف: لا يضمن، لأنه يشتغل عندك بالوكالة عنك والوكيل لا يضمن ما تلف من فعله بلا تعدًّ ولا تفريط.
مثال آخر: استأجرت خياطاً عندك، وقلت له: أنا أريد أن أستأجرك لمدة شهر للخياطة ولم تعين له ثوباً معيناً ولا شيئاً، فأعطيته ثوباً أو أي شيء يخيطه، وأخطأ في التفصيل، فلا يضمن؛ لأنه لم يتعد، وهو يتصرف بالوكالة عنك، والوكيل لا يضمن ما لم يتعد أو يفرط.
141 - ص (85)
قوله: " ويضمن المشترك " يعني الأجير المشترك وهو الذي قدر نفعه بالعمل، ويتقبل العمل من كل أحد كالغسال والخياط ونحوهما.
قوله: " ما تلف بفعله " ولو خطأ ...
قوله: " ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله " ... وذلك لأنه لم يتعد ولم يفرط، لكن يقول:
" ولا أجرة له " يعني ما تلف بفعله يضمنه ولا أجرة له، وما تلف بغير فعله أو من حرزه فلا يضمنه ولا أجرة له ...
مسألة: إذا كان القماش من الخياط وتلف عنده، فليس له شيء لا قيمة ولا أجرة، فصار الفرق بين الأجير الخاص والمشترك من حيث التعريف، ومن حيث الضمان، ومن حيث الأجرة.
142 - ص (120)
وقوله: " وتضمن العارية " الضامن هو المستعير.
قوله: "بقيمتها " يعني إن كانت متقوِّمة، وبمثلها إن كانت مِثْلِيَّة ...
والفرق بين المتقوم وبين المثلي:
أن المثلي ضابطه عند الفقهاء (كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة، يصح السَّلَم فيه) وهذا الضابط يضيِّق المثليات تضيقاً بالغاً.
فقولهم: (كل مكيل أو موزون) يخرج به ما سواهما، مع أن الحيوان يمكن أن يكون مثلياً والمعدود يمكن أن يكون مثلياً، والمذروع يمكن أن يكون مثلياً، وما أشبه ذلك، لكن هم يخصونه بالمكيل والموزون.
وقولهم: (ليس فيه صناعة مباحة) فإن كان فيه صناعة مباحة فإنه يخرج عن كونه مثلياً، فالبر إذا طُبِخ وكان طعاماً خرج عن كونه مثلياً، مع أن أصله مكيل، وكذلك - أيضاً - الأواني ليست مثلية مع أن أصلها موزون.
وأما قولهم: (مباحة) فاحترازاً من الصناعة المحرمة؛ لأن الصناعة المحرمة وجودها كالعدم.
وأما قولهم: (يصح السلم فيه) فهذا - أيضاً - شدد التضييق، فهو احتراز مما كان مكيلاً أو موزوناً، لكنه يختلف ولا ينضبط بالصفة فإنه لا يكون مثلياً.
والصحيح أن المثلي ما كان له مثيل مطابق أو مقارب تقارباً كثيراً، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزوجته التي كسرت الإناء، وأفسدت الطعام: ((إناء بإناء، وطعام بطعام)) ولم يضمنها بالقيمة، ثم إننا نقول: الصناعة الآن تتقدم، ومن المعلوم أن الفناجيل - مثلاً - من الزجاج مصنوعة، وهي مثلية قطعاً، فمماثلة الفنجال للفنجال أشد من مماثلة صاع البر لصاع البر، وهذا أمر معلوم والحلي - مثلاً - والأقلام، والساعات، كل هذه مثلية، وهي على حد الفقهاء ليست مثلية.
فالصواب إذاً: أن المثلي ما كان له مماثل أو مقارب مقاربة تامة، فإذا استعار إناء ثم انكسر الإناء - فعلى ما اخترناه - يُضمن بإناء مثله، وعلى كلام الفقهاء يضمن بقيمته، والأقرب إلى العدل أن يُضمن بمثله.
¥