ـ[عبدالرحمن السديس]ــــــــ[29 Jul 2006, 02:05 م]ـ
الفروق في المجلد الحادي عشر
152 - ص (20)
قوله: " وأن يكون على بِرٍّ " هذا هو الشرط الثاني أن يكون على بِرٍّ، قال الإمام أحمد: لا أعرف الوقف إلا ما أريد به وجه الله، ولأن عمر - رضي الله عنه - أراد بوقفه التقرب إلى الله.
وهذا الشرط فيه تفصيل، فإن كان على جهة عامة فإنه يشترط أن يكون على بر، وإن كان على معين فإنه لا يشترط أن يكون على بِرٍّ، لكن يشترط ألا يكون على إثم، والفرق بين هذا وهذا يظهر بالمثال، فمثال الجهة العامة:
قوله: " كالمساجد " فلو عَمَرَ الإنسان مسجداً وأوقفه، فهذا على بِرٍّ، إلا إذا عمر مسجداً على قبر فهنا يحرم ولا يصح؛ لأن هذا ليس ببر، بل هو إثم.
أو بنى مسجداً من أجل أن تقام فيه البدع، فهذا - أيضاً - لا يصح؛ لأنه ليس على بر فمراده بالمساجد، أي: التي على بر وتقوى.
فإن كان الوقف على مسجد معيَّن تعين فيه، ولا يجوز صرفه على غيره، وإن كان على المساجد عموماً وجب على الناظر أن يبدأ بالأحق فالأحق، سواء كانت هذه الأحقية عائدة إلى ذات المسجد أو إلى المصلين فيه ...
الخلاصة: أنه إذا كان الوقف على جهة فلا بد أن يكون على بر، وإذا كان على معين فلا يشترط أن يكون على بر؛ لأنه قد يقصد منفعة هذا المعين بعينه، لا التقرب إلى الله عزَّ وجلَّ لكن يشترط ألا يكون فيه إثم، فإذا كان على إثم فلا يصح، ولنضرب لهذا أمثلة:
وقف على المساكين يصح؛ لأنه بر.
وقف على الأغنياء لا يصح؛ لأن هذه جهة، والجهة لا بد أن يكون الوقف فيها على بر والأغنياء ليسوا أهلاً للصدقة.
وقف على ضارب الدفوف، فيه تفصيل: إذا كان على ضاربات الدفوف في العرس، فهذا يجوز؛ لأنه قربة، ويسن إعلان النكاح والدف فيه للنساء.
وإذا كان على لاعبي الكرة، فهذا لا يصح، لأن هذه جهة، ولا بد أن تكون على بر، وهذا ليس ببر.
ولو وقف على فلان اليهودي فهذا يصح؛ لأنه على معين.
ولو وقف على نصراني معين، فهذا يصح، لأن هذا مما لم ننه عن بره، والوقف بر وليس فيه نهي، فالواقف لم يرتكب ما نهى الله عنه، ولم يصدق عليه أنه عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله قد أذن في ذلك.
ولو وقف على داعية للنصرانية؛ فهذا لا يصح؛ لأن هذا معناه تشجيع هذا الرجل على باطله ومن باب أولى أن يوقف على الكنائس والصوامع والبيع، وما أشبه ذلك.
153 - ص (25)
قوله: " وكذا الوصية " يعني أن الوصية لا تصح على جهة عامة إلا أن تكون على بر، أما إذا كانت على جهة معينة كشخص معين، فلا بأس ألا تكون على بر، لكن لا يجوز أن تكون على إثم.
والفرق بين الوصية والوقف:
أولاً: أن الوقف عقد ناجز، فإذا قال الرجل: وقفت بيتي، أو وقفت سيارتي، أو وقفت كتبي فيكون وقفاً في الحال.
والوصية تكون بعد الموت، فيقول مثلاً: أوصيت بداري للفقراء.
ثانياً: أن الوقف ينفذ من جميع المال، فلو وقف جميع ماله نفذ، إلا أن يكون في مرض موته المخوف.
والوصية لا تكون إلا من الثلث فأقل، ولغير وارث، وما زاد على ذلك، أو كان لوارث فلا بد من موافقة الورثة على هذه الوصية.
فلو قال: أوصيت ببيتي لفلان، ثم توفي، وحصرنا تركته بعد موته فوجدنا أن هذا البيت أكثر من الثلث، فالذي ينفذ من البيت ما يقابل الثلث فقط، فإذا كان هذا البيت النصف فإنه ينفذ منه ثلثاه؛ لأن ثلثي النصف بالنسبة للكل ثلث.
لكن لو أجاز الورثة وقالوا: ليس عندنا مانع، فإن ذلك لا بأس به، وهذه هي قاعدة المذهب وسيأتي - إن شاء الله - الكلام عليها، وتحريرها.
154 - ص (37)
قوله: " وتقديم "، يعني إذا شرط تقديم من يتصف بوصف معين، مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي، ويقدم طالب العلم.
ومعنى كونه يقدم: أنه يعطى كفايته من الوقف، والباقي للآخرين، ففي التقديم لا يُحرَم المؤخر لأن هذا ليس ترتيباً بل هو تقديم وتأخير، فيستحقه الجميع، لكن يقدم من قدمه الواقف ...
قوله: " وترتيب " الترتيب أن يأتي بما يدل على الترتيب، مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم، أو وقف على أولادي بطناً بعد بطن، أو وقف على أولادي فإذا عدم البطن الأول فللثاني، فهذا نسميه ترتيباً، ولا يختص بـ (ثم)، فكل ما دل على الترتيب نعمل به.
لكن إذا قال قائل: ما الفرق بين الترتيب والتقديم؟
فالجواب: أنه في الترتيب لا يستحق البطن الثاني شيئاً مع البطن الأول، وفي التقديم يستحق البطن الثاني مع الأول ما فضل عن الأول، فالبطن الأول والثاني كلاهما مستحق لكن يقدم البطن الأول، فيمكن أن يشترك البطن الأول والثاني في مسألة التقديم، مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي يُقدم الأحوج، فإذا أعطينا الأحوج ما يكفيه - لأن الريع كثير - وبقي بقية أعطينا البطن الثاني ما يحتاجه منها، لكن لو قال: وقف على أولادي، ثم أولادهم وكان الريع كثيراً وأعطينا الأولاد حاجتهم وزاد أضعافاً، فهل نعطي البطن الثاني شيئاً؟ لا، لأنه قال: (ثم) وما بعد (ثم) لا يشارك ما قبلها لوجود الترتيب، ولو قال: بطناً بعد بطن، فكذلك هو ترتيب.
¥