ـ[عبدالرحمن السديس]ــــــــ[31 Jul 2006, 11:09 م]ـ
155 - ص (65)
قوله: " الهبة والعطية "، الهبة مصدر وَهَبَ يَهَبُ هِبَةً، وأصلها وِهْبَةٌ من وهب الشيء إذا أعطاه مثل وعد يَعِدُ عِدة واصلها وِعدة.
واعلم أن خروج المال بالتبرع يكون هبة، ويكون هدية، ويكون صدقة، فما قصد به ثواب الآخرة بذاته فهو صدقة، وما قصد به التودد والتأليف فهو هدية، وما قصد به نفع المعطَى فهو هبة، فهذا هو الفرق بينها، والتودد والتأليف من الأمور المقصودة شرعاً ويقصد بها ثواب الآخرة، لكن ثواب الآخرة لم يقصد فيها قصداً أولياً، ولهذا يخصها بشخص معين، أما الصدقة فلا يخصها بشخص معين، بل أي فقير يواجهه يعطيه، وكلها تتفق في أنها تبرع محض لا يطلب الباذل عليها شيئاً.
156 - ص (70)
قوله: " وتلزم بالقبض بإذن واهب " إذا تمت الهبة بالإيجاب والقبول فليس فيها خيار مجلس لكن فيها خيار مطلقاً حتى تقبض؛ لأنها لا تلزم إلا بالقبض، فلو قال: وهبتك كتابي الفلاني فقال: قبلت، ولم يسلمه له، ثم رجع، فرجوعه جائز؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإذا قبضها فليس فيها خيار مجلس؛ لأن هذا عقد تبرع، والذي فيه خيار المجلس هو عقد المعاوضة.
والفرق بينهما ظاهر، ففي عقد المعاوضة أعطى الشارع المتعاقدين مهلة ما داما في المجلس؛ لأن الإنسان قد يرغب في السلعة، وإذا بيعت عليه نزلت من عينه، وهذا شيء مشاهد، فجعل له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار إذا أحب أن يردها.
لكن الهبة ليس فيها معاوضة، فهو أعطيها مجاناً، حتى لو كان في الأول يحبها ثم أعطيها ونزلت من عينه، فهذا لا يضر شيء ...
157 - ص (73)
قوله: " ووارث الواهب يقوم مقامه " يعني في الإقباض وعدمه، فإذا مات الواهب بعد الإيجاب والقبول قبل أن يسلمها، فلورثته الحق في أن يمنعوا التسليم ولهم أن ينفذوها ويسلموها.
وعلم من قوله " ووارث الواهب " أن وارث المتَّهب لا يقوم مقامه، وعلى هذا فلو وهب شيئاً لشخص ثم مات الموهوب له قبل القبض، بطلت الهبة؛ لأنه تعذر قبضه بعد أن مات.
فإن قال قائل: ما الفرق بين هذا وهذا؟
نقول: لأنه في مسألة الواهب عقد يؤول إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت، أما المتهب إذا مات ولم يقبض شيئاً فليس هنا شيء حتى يرجع إلى ورثته، ولذلك فرَّقوا - رحمهم الله - بين موت الواهب فقالوا: لا تبطل الهبة به ويقوم وارثه مقامه، وبين موت المتهب فقالوا: إن الهبة تبطل لتعذر القبض حينئذٍ.
158 - ص (86)
قوله: " فإن مات قبله " أي قبل التسوية.
قوله: " ثبتت " أي ثبتت العطية، يعني إذا مات الأب الذي فضل بعض الأولاد قبل أن يسوي ثبتت العطية، فإذا أعطى أحدهم - مثلاً - عشرة آلاف ريال تبرعاً لا نفقة ثم مات، فهذا العطاء يعتبر ملكاً للآخذ ويثبت؛ لأنه لم يتمكن من الرجوع أو تمكن ولكنه فرط، فالمطالب بالرجوع هو الأب وقد مات، فسقط عنه التكليف بموته، والابن الذي فُضِّل مَلَكه ملكاً تاماً هذا المذهب وهو قول ضعيف؛ لأنه لا يجوز أن نمكن هذا الابن من أَخْذِ مالٍ لا يجوز له أخذه.
والصواب: أنه إذا مات وجب على المفضَّل أن يرد ما فضِّل به في التركة، فإن لم يفعل خصم من نصيبه إن كان له نصيب؛ لأنه لما وجب على الأب الذي مات أن يسوي، فمات قبل أن يفعل صار كالمدين، والدين يجب أن يؤدى، وعلى هذا نقول للمفضَّل: إن كنت تريد بر والدك فرد ما أعطاك في التركة.
ولكن هل للورثة الرجوع، أو الهبة لم تصح من الأصل؟
فيها قولان: قيل: إن العطية لم تصح من الأصل.
وقيل: إنها صحت، لكن إذا مات وهو لم يسوِ فللورثة الرجوع، ويجب على المفضل أن يردها في التركة.
والفرق بين القولين: أننا إذا قلنا: إنها لم تصح من الأصل، فإن ما حصل من نماء بين العطية والموت يكون للورثة؛ لأن العطية لم تصح أصلاً، وإذا قلنا بالصحة ولكن لهم الرجوع، فما حصل من نماء منفصل فهو للموهوب له.
لكن على كل حال القول بأنها تثبت قول ضعيف، والصواب أنه يجب على المفَضَّل أن يرد الزيادة في التركة، أو تخصم من نصيبه.
159 - ص (92)
¥