تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ثم أراد الشيخ الرحلة إلى أرض مصر لطلب العلم، ولكن جاءت الحرب العالمية الثانية، فأقفلت الطرق البحرية.

ثم قابل الشيخ محمد رجلاً جاء من مكة فسأله عن مكة المكرمة فأجاب هذا الرجل بقول: (يا محمد! إن في مكة مدرسة يدرس فيها الحديث تسمى "دار الحديث")؛ فأعجبه ذلك؛ فسافر من صنعاء في آخر عام (1359هـ) مع الحُجاج، وقد أوصى الإمامُ يحيى أميرَ الحج به، فأعطاه راحلة، فكانت الرحلة شهرًا من صنعاء إلى مكة، فوصل إلى مكة عام (1360هـ)، وسجل في دار الحديث.

وفي دار الحديث قابل الشيخ محمد حامد الفقي الشيخ محمد عبد الله، وسأله: من أين أتيتَ يا محمد؟ فقال: أتيتُ من الصومال لطلب الحديث الشريف. فتأثر كثيرًا، وقال: الخرافيون وأصحاب الطرق يأكلون ويشبعون وطلبة الحديث لا يجدون شيئًا!! فأتى به إلى التكية المصرية وكان متوليها من الأشراف، فقال: (هذا يطلب حديث جدك)؛ فقرر له كل يوم رغيفين كبيرين من الخبز الأبيض (الفينو).

واصل الشيخ طلب العلم في "الحرم" وفي "دار الحديث"؛ فقرأ على الشيخ عبد الرزاق حمزة المصري، والشيخ أبي السمح -إمام الحرم-، والشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان -مدرس التوحيد والحديث في المسجد الحرام-، والشيخ أبي سعيد الباكستاني، والشيخ محمد سلطان المعصومي، والشيخ [أبي] محمد عبد الحق الهاشمي، وعلى الشيخ ابن مانع، وكان من أخص شيوخه: الشيخ عبد الرزاق حمزة؛ فدرس عليه الأمهات الستة، و"تفسير ابن كثير"، و"البداية والنهاية"، ولكن لم يكمل، وكان الشيخ عبد الرزاق حمزة عندما رأى حرص الشيخ في طلب العلم كان يحترمه ويحبه أكثر من أولاده.

وكانت طريقة الشيخ عبد الرزاق في تدريسه للحديث: أنه كان يقرأ السند، ثم يسأل طلابه عن اسم الراوي وكنيته ولقبه، فإذا لم يعرف؛ بحثوا عنه في الكتب.

وبعد عامين من دراسته في "دار الحديث" [عيِّن] مدرسًا في تدريس اللغة العربية ومواصلًا الطلب في الحديث، وقد تخرج الشيخ من دار الحديث عام (1965م)، ونال الإجازة العالية ودرجة مجتهد في العلوم المقرَّرة، ثم عُين مدرسًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وتتلمذ على يديه عددٌ من طلبة العلم.

ثم عين مدرسًا في الحرم المكي حتى عام (1406هـ) عندما انكسرت رجله، ولكن بقي معينًا كمدرس، وسمح له بالتدريس في بيته، وكان يدرس في بيتِه إلى حين وفاتِه.

—زُهدُهُ وَوَرَعُهُ:

كان الشيخ زاهدًا ورعًا متعففًا، لم يكن يعلم من الدنيا شيئًا، وترك الدنيا بعد أن أقبلت عليه، ومن الأمثلة: أنه كان يسكن في غرفة واحدة، وعندما قيل له: ألا نطلب لك غرفة أخرى؟! قال: أتريدون أن يُقال الشيخ محمد طماع!

وعندما كسرت رجله وعجز عن الذهاب للتدريس في الحرم؛ رفض أن يأخذ المكافأة التي كان يأخذها، فقال له الشيخ محمد بن عبد الله السبيل -رئيس شؤون الحرمين-حفظه الله-: "إن هذا المال يأخذه البَر والفاجر، وأنت أحق به، فمن جاءك؛ فدرِّسه في بيتك".

—تَلامِيذُهُ:

لقد درس على الشيخ عدد لا يحصى -[سواءً] كان ذلك في الدار، أو في الحرم المكي، أو في الجامعة الإسلامية-.

وكان يواظب على حلقاته العلمية ويحضرها نخبة من العلماء الأفاضل؛ مثل: الشيخ محمد بن عبد الله السبيل -رئيس شؤون الحرمين، وإمام وخطيب المسجد الحرام-، والشيخ يحيى بن عثمان المكي الهندي -من علماء الحجاز-، والشيخ مقبل بن هادي الوادعي -محدث ديار اليمن- الذي وصف شيخه في كتابه "المقترح في علم المصطلح" بـ: "أعلم الناس بعلم الحديث في منطقة الحجاز"، والشيخ عمر بن محمد بن عبد الله السبيل -إمام وخطيب المسجد الحرام-، والشيخ أحمد ولو الحبشي، والشيخ محمد حسن الجيش.

—الَّذِين أخَذُوا مِنهُ الإِجازَةَ:

هم خلق كثير ومن أشهرهم: الشيخ عبد الرحمن الحذيفي، والشيخ أحمد بن محمد عثمان المنيعي، والشيخ مساعد الحميد، والشيخ ربيع بن هادي المدخلي، والشيخ محمد المدخلي، والشيخ أسامة القوصي، والشيخ وصي الله محمد عباس.

—بِدايَةُ مَرَضِ مَوتِهِ، وَوفَاتُهُ:

كانت بداية مرضه الأخير في بداية شهر شعبان؛ فشعر بثقل كبير، وفي يوم السبت دعا الله كثيرًا، ومن دعائه: "اللهم! أحيني إن كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إن كانت الوفاة خيرًا لي".

وفي صباح يوم الاثنين: أغمي عليه، ونقل إلى المشفى، ثم أفاق الشيخ في اليوم التالي، وزاره جمع غفير من طلابه، وأوصى أن يصلي عليه الشيخ محمد عبد الله السبيل، ثم أغمي عليه بعدها، وصار دأبه أن يفيق ويغمى عليه أيامًا -نسأل الله أن يجعل له ذلك تمحيصًا ورفعة في الدرجات-.

وتوفي الشيخ محمد ليلة الأحد 3 رمضان (1420هـ)، و [صلي] عليه ليلة الاثنين بالمسجد الحرام بعد العشاء، ودفن بمقبرة العدل بجوار أخيه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمهما الله رحمةً واسعة-.

[نقلًا من "مجلة الأصالة"، السنة الخامسة، العدد السابع والعشرون، ص 79 - 82

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير