وقوله: " وله أن يأخذ ويتملك " الفرق بينهما: يأخذ على سبيل الاستعمال، ويتملك على سبيل الضم إلى ملكه، فله أن يأخذ سيارة الابن يسافر بها إلى مكة، إلى الرياض، إلى المدينة إلى أي بلد وإن لم يتملكها، وله أن يتملك وإن لم يأخذ، فيأتي إلى كاتب العدل، مثلاً، ويقول: إني تملكت سيارة ابني فلان ويكتب كاتب العدل، لكن بشروط ستذكر.
ـ[عبدالرحمن السديس]ــــــــ[08 Aug 2006, 11:30 م]ـ
160 - ص (124 - 133)
قوله: " ويسوِّي بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية " بدأ المؤلف ببيان الفروق بين العطية والوصية وهما تتفقان في أكثر الأحكام، ويجب أن نعلم الفرق بين العطية والوصية قبل كل شيء، فالوصية إيصاء بالمال بعد الموت، بأن يقول: إذا مِت فأعطوا فلاناً كذا والعطية تبرع بالمال في مرض الموت.
فتشتركان في أنه لا يجوز أن يوصي لوارث، ولا لغير وارث بما فوق الثلث، ولا يجوز أن يعطي وارثاً ولا غير وارث ما فوق الثلث.
وتشتركان أيضاً في أنهما أدنى أجراً وثواباً من العطية في الصحة؛ لأن المراتب ثلاث:
الأولى: عطية في الصحة.
الثانية: عطية في مرض الموت.
الثالثة: وصية.
أفضلها العطية في الصحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان».
يلي ذلك العطية في مرض الموت، ويلي ذلك الوصية، فالوصية متأخرة.
فإذا قال قائل: لماذا تجعلون العطية وهي في مرض الموت أفضل من الوصية؟
فالجواب: أن المُعْطِي يأمل أن يشفى من هذا المرض، والوصية لا تكون إلا بعد الموت.
أما المرض غير المخوف فهذا حكمه حكم الصحة؛ لأن الرجل لا يتوقع الهلاك.
وقوله: " ويسوي بين المتقدم ولمتأخر في الوصية، ويُبْدَأُ بالأول فالأول في العطية "، هذا هو الفرق الأول بينهما، يعني إذا تزاحمت الوصايا والعطايا وضاق الثلث عنها، فإنه في العطية يبدأ بالأول فالأول، وفي الوصية يتساوى الجميع، أما إذا لم تتزاحم وكان الثلث متسعاً فإنه يعطى الجميع، سواء في الوصية أو العطية.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصاً ألف ريال، وأعطى آخر ألفي ريال، وأعطى ثالثاً ثلاثة آلاف ريال، فيكون المجموع ستة آلاف ريال، ثم توفي ووجدنا تركته تسعة آلاف ريال، ومن المعلوم أن هذه العطايا زادت على الثلث، فماذا نصنع؟
نقول: نعطي الأول فالأول، فنعطي الأول ألف ريال، والثاني ألفي ريال، والثالث لا شيء له لأن التركة تسعة آلاف ثلثها ثلاثة، والثلاثة استوعبتها عطية الأول والثاني، فلا يكون للثالث شيء.
ووجه ذلك أن العطية تلزم بالقبض ويملكها المعطَى بالقبض، فإذ ا أعطينا الأول ألفاً وأعطينا الثاني ألفين استقر ملكهما على ما أُعطياه، ويأتي الثالث زائداً على الثلث فلا يعطى.
ومثال الوصية: رجل أوصى لشخص بألف ريال، ولآخر بألفي ريال، ولثالث بثلاثة آلاف ريال، ثم مات ووجدنا تركته تسعة آلاف ريال، فهنا الوصايا زادت على الثلث، فالثلث ثلاثة والوصايا تبلغ ستة آلاف ريال، إذاً لا بد أن نرد الوصايا إلى الثلث وندخل النقص على الجميع لكن لا نقدم الأول على الثاني كما فعلنا في العطية، بل نسوي ونقول: لهم ستة آلاف ولا يستحقون إلا ثلاثة، فننسب الثلاثة إلى الستة فتكون نصفها، فيعطى كل واحد نصف ما أوصي له به؛ لأن نسبة الثلث إلى مجموع الوصايا النصف، فنعطي صاحب الألف خمسمائة وصاحب الألفين ألفاً، وصاحب الثلاثة ألفاًُ وخمسمائة، فالجميع ثلاثة آلاف، وهي الثلث.
ووجه ذلك أن هؤلاء الموصى لهم إنما يملكون الوصية بعد موت الموصي، وموت الموصي يقع مرة واحدة، ليس فيه تقديم وتأخير، فهم ملكوا المال الموصى لهم به في آن واحد وهو وقت موت الموصي.
ولو قال قائل: لماذا لا تقولون: إن الوصية الثانية تنسخ الأولى، والثالثة تنسخ الثانية، وحينئذ يُحْرَم الأول والثاني من الوصية، ويعطى الثالث ما أوصي له به، وهو ثلاثة آلاف؟
نقول: هذا لا يصح؛ لأن الجميع تزاحموا في الاستحقاق فلا نقدم بعضهم على بعض، نعم إن قال الموصي: ووصيتي الثالثة ناسخة لما سبق من الوصايا، فحينئذٍ يعمل بها؛ لأن للموصي أن يرجع في وصيته.
¥