تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

(إن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر، ولا نسبة لسائر المحاب إليها، وهي حقيقة: لا إله إلا الله!) (4)

إلى أن يقول في نص نفيس تُشد إليه الرحال:

(فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان،

ولتعطلت منازل السير إلى الله؛

فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل.

فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه ..

ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها،

بل هي حقيقة الإخلاص،

بل هي نفس الإسلام:

فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله؛ فمن لا محبة له لا إسلام له البتة.

بل هي حقيقة شهادة: أن لا إله إلا الله؛ فإن (الإله): هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً، وخوفاً ورجاء، وتعظيماً وطاعة له، بمعنى (مألوه): وهو الذي تألهه القلوب. أي تحبه وتذل له؛ فالمحبة: حقيقة العبودية) (5).

ذلك أن معنى (الإسلام) هو الخضوع لله رب العالمين، والاستسلام لأمره تعالى. إنه الاعتراف الوجداني، أي التعبير العملي عن الشعور الحقيقي الذي يلامس القلب عندما يدرك العبد و (يجد) أنه (عبد) لسيد هذا العالم العظيم. وحقيقة كون المسلم عبداً هي الحقيقة التي تغيب عن أكثر المسلمين؛ فيحدث بسبب ذلك الانحراف بشتى ألوانه وأشكاله.

إن (العبد) مسلوب الإرادة، ليس بالمعنى الكلامي ولكن بالمعنى الوجداني، أعني: أن تجد الشعور بأنك أيها المسلم مِلْكٌ لله الواحد القهار؛ تدور في فلك العبودية والخدمة كما تدور الكواكب في الأفلاك. {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الزمر: 63]. وتلك هي مدارات لفظ (عبد) في اللغة: إنها لا تخرج عن معاني الذلة والخضوع والخنوع والانقياد، كما تنقاد الأنعام المذللة لمالكيها رغبةً ورهبةً انقياداً لا تشنج فيه ولا تَفَلُّت.

والعبد لا يكون إلا في باب الخدمة بين يدي مولاه، واقفاً على العتبة ينتظر الأمر والنهي بشوق المحب، ليبادر إلى التنفيذ دون سؤال: علامَ ولِمَهْ؟ {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. إنه الرب المحبوب الأعظم، المرغوب المرهوب، رب الكون والخلق أجمعين. يمكنك أن تُعَرِّفَ عقيدة الإسلام في نهاية المطاف،

فتقول: إنها ميثاق المحبة بين الله وعباده.

وحينما نقول (المحبة) فهي

بمفهومها القرآني

لا ما ذهبت إليه طوائف من الغلاة من هذا الاتجاه أو ذاك ممن قالوا بها، فأبطلوا كل منازل الإيمان من خوف ورجاء؛ فانتهى بهم الأمر إلى دعاوى عريضة يتشدقون بها ما أنزل الله بها من سلطان.

كلا! بل لا تقوم المحبة بقلب العبد الصادق إلا على جناحي الخوف والرجاء، وما تفرع عن ذلك من معاني الرَّغَبِ والرَّهَبِ،

والقرآن العظيم والسنة النبوية واضحان في هذا غاية الوضوح. ولا يزيغ عنهما إلا جاهل أو صاحب هوى، والمحب الحقيقي الصادق يخاف من الحرمان، ويخشى من العقوبة بقدر ما يرجو ويشتاق؛ فإذا جرد المحبة عن الخوف والرجاء كان من الكاذبين، كيف لا، ورب العالمين يقول عن صفوة من أنبيائه ورسله:

{إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]؟ وهذا محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيد الأولين والآخرين يعلنها في الأمة: «أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له! [وفيه قال]: فمن رغب عن سنتي فليس مني» (1)، ألا وإن أي انحراف عن هذه السبيل لا يكون إلا جهلاً بالدين أو زيغاً من الضلال المبين.

فعلى هذا الوِزَانِ إذن؛ نقول:

إن عقيدة الإسلام قائمة على المحبة، بل إنها ميثاق المحبة؛

وبذلك المعنى كانت تفيض بأنوار الجمال ومباهج الجلال؛

ولذلك يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ـ تعالى ـ قد حرَّم على النار من قال: «لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (2)، أكلمة واحدة تتلفظ بها فتدخل الجنة؟ نعم! ولكنْ .. إنها ليست بكلمة ولا كلمات؛ إنها توجه قلبي وميل وجداني، إنها مسألة (حب)، وإن من أحب اللهَ أحبه اللهُ، ومن أحبه الله وفقه إلى عبادته وطاعته. إنها حقيقة جميلة وعظيمة، وإن عدم إدراكها ذوقاً ووجداناً قد كان سبباً في تضييع معاني الدين وانحراف كثير من الناس عن منهاجه المستقيم.

ولقد تهتُ شخصياً عن هذا المعنى زمنا!

ولي في هذا الشأن قصة أذكرها لعل فيها ما ينبئ عما تعانيه حركة التدين في المجتمع اليوم؛ عسى أن نتمكن من تشخيص مكمن الداء.

.....

...............


(*) رئيس قسم الدراسات الإسلامية، بجامعة السلطان المولى إسماعيل، المغرب.

(1) رواه البخاري في تاريخه، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم. وصححه الألباني (ص. ج. ص): 6469.

(1) لسان العرب: مادة (أله). (2) المفردات في غريب القرآن: مادة (أله). (3) لسان العرب: مادة (وله).

(4) مدارج السالكين، لابن القيم: 3/ 18. (5) مدارج السالكين: 3/ 26.

(1) متفق عليه. (2) متفق عليه.

(1) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن آل الشيخ: 53 ـ 54. (2) مجموع فتاوى ابن تيمية: 10/ 80 ـ 82.
¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير