تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فالمتدارسون للقرآن في مجالس المدارسة ينبغي أن يستقبلوا القرآن بهذه الكيفية وكأنه ينزل عليهم في تلك اللحظات غضاً طرياً، إنه استقبال بمعنى الإنصات الكامل للقلب والعقل إلى كلام الحق ـ سبحانه وتعالى ـ وهو يخاطبهم، ثم يتدبروه بتقليب النظر وإجالة الفكر فيه، ليتحقق بذلك الإبصار ثم التبصر والاهتداء بهداه.

4ـ ثمارها وفضائلها: للمدارسة القرآنية ثمار جليلة وفضائل عظيمة وكثيرة؛ فالمدارسة خير كلها وبركة كلها، فالله ـ تعالى ـ يبارك فيها فيفيض بنوره على المجتمعين لمدارسة قرآنه، فيثمر ذلك ثماراً نافعة وفضائل عديدة، منها:

أ ـ أن المدارسة سبيل التعلم والتعليم: فالعلم الحق هو علم القرآن، والمدارسة هي السبيل إلى تحصيل هذا العلم؛ العلم بأحكام القرآن ومعرفة أسراره وحكمه، واكتشاف بصائره المبثوثة في سوره وآياته، قال ـ تعالى ـ: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما تعلَّم القرآن وفهِمَ معانيه ومقاصده وأسراره وطريقة تنزيله، بالتدارس؛ فقد كان جبريل ـ كما جاء في حديث ابن عباس المتقدم ـ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. والصحابة الكرام إنما تعلموا القرآن وعلّموه بمنهج مدارسة الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن لهم، وبمجالسهم الخاصة بتدارسه فيما بينهم.

ب ـ أن المدارسة سبيل تزكية الأنفس: فالتزكية إحدى الوظائف الأساسية للقرآن، وحصولها يتم بالمجاهدة الفردية والجماعية كما هو الحال في مجالس المدارسة القرآنية، لقوله ـ تعالى ـ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2]. ففي هذه المجالس يتعلم الجلساء علم القرآن، ويتربون على معاني الخير وقيم الصلاح التي تزكو بها النفوس وتتطهر القلوب، وهذا ليس غريباً في مجلس قرآني تحف أهله الملائكة الأطهار.

ج ـ أن السكينة تتنزل على المتدارسين للوحي وتحفهم الملائكة، وتغشاهم الرحمة، ويذكرهم الله فيمن عنده.

والشرط في تحقق هذه الفضائل العظيمة: المدارسة الجماعية للقرآن المعبر عنها في الحديث بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه ... ».

د ـ أنها سبيل التذكر والتبصر: فالحاضرون لها إنما يدفعهم للحضور رغبتهم في فهم القرآن والاستفادة منه، فيوفقهم الله ـ تعالى ـ وييسر لهم سبل التذكر، قال ـ تعالى ـ: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17].

هـ ـ أن القلوب تطمئن فيها بذكر الله، لقوله ـ تعالى ـ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

و ـ بها تتحقق النذارة والخشية من الله في الدنيا ومن عذابه في الآخرة؛ لأنّ مادتها هي القرآن، ووظيفته الإنذار، لقوله ـ تعالى ـ: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51].

ز ـ أن القلوب تخشع فيها لذكر الله؛ لأنَّ المجتمعين اختاروا التعامل مع القرآن وآمنوا بأنه الحق المنزّل من الله، فخشعت قلوبهم له. قال ـ تعالى ـ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16]، فالمتدارسون للقرآن بصدق وجد وإخلاص آنَ لقلوبهم أنْ تخشع لذكر الله.

ح ـ أن المدارَسَة والتدبر الجماعي للقرآن تتكشف بهما حقائقه ومعانيه وأسراره وحكمه، فيكون ذلك أدعى لاستخلاص الهدى المنهاجي منه.

وخلاصة الأمر، فإن غاية المدارسة الأساس هي استخلاص هذه الثمرة؛ ثمرة الهدى المنهاجي وتجميعه في برنامج عملي يضم أهم العناصر التربوية والدعوية، النظرية والعملية التي يجب الاشتغال بها، تحققاً وتخلقاً، علماً وعملاً، سلوكاً وحالاً؛ تفكيراً وتعبيراً وتدبيراً.

وهكذا يمكننا القول: إن جميع الواجبات التي تجب على المسلمين نحو القرآن الكريم تخدم الواجب الأم؛ واجب المدارسة. والمطلوب أن تكون كذلك حتى يتحقق الغرض الأساس منها كلها ومن التدارس خاصة؛ وهو استخلاص الهدى المنهاجي العام والخاص؛ إذ عودة الأمة إلى مرتبة الخيرية التي أخرجها الله من أجلها تتوقف على الرشد المنهجي في التعامل مع الوحي فهماً وتنزيلاً؛ فالغرض الأول من القرآن هو الهداية إلى هذا الأمر، {إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].

بهذا الأمر وحده يمكن اختصار الطريق لعودة الأمة إلى التوحد والقوة بدل التفرق والضعف، وإلى السيادة والإمامة بدل التبعية، وإلى العمران البشري الحضاري المادي والمعنوي بدل الخراب والتخلف والوهن، كل ذلك وغيره إنما يتم بالانطلاقة من الوحي والعودة إليه في كل قضايا الدين والحياة، ليستبين سبيل الهداية، وليستقيم ويرشد السير، فتتمكن الأمة بإذن الله ـ تعالى ـ وتوفيقه من أداء الرسالة المنوطة بها، لإنقاذ نفسها وإنقاذ العالم معها من التيه والضياع؛ فتخرجه من ظلام جاهليته إلى نور الإسلام، ومن جور دياناته إلى عدل القرآن، ومن عبادة المادة والأوثان إلى عبادة خالق الأكوان سبحانه وتعالى.

وبهذه العودة المنهاجية النصوح للوحي تتحقق للأمة الخيرية وترتفع إلى مستوى أداء رسالة الشهادة المنوطة بها على الناس أجمعين " ا. هـ.

(واجب المسلمين نحو القرآن) مجلة البيان - العدد 237 - جمادى الأولى 1428هـ

- موضوع التدبر من أولى الموضوعات التي ينبغي أن يكون لها في ملتقانا هذا نصيب وافر من العناية، ولعل هذا يكون ضمن المشروعات الجديدة التي يتكفل بها الملتقى في خطته التطويرية ..

والله الموفق.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير