تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[قول متوازن في مسألة الإعجاز العلمي]

ـ[أبو عمرو البيراوي]ــــــــ[02 Oct 2009, 12:55 ص]ـ

هذا اقتباس من كتاب دراسات في الفكر الإسلامي للشيخ بسام جرار. قد يساهم في تقريب وجهات النظر في مسألة الإعجاز العلمي:

يمكن اعتبار القرآن الكريم معجزة علميّة من ناحيتين:

1. عدم تناقضه مع معطيات العلم التي هي حقائق على الرغم من كونه يتناول إلى العديد من القضايا التي لها صلة بعلوم مختلفة.

2. توافقه مع معطيات العلم في الكثير من المسائل التي هي من اختصاص القرون الأخيرة، والتي هي قرون الانفجار المعرفي.

إنّ قضية عدم التناقض هي الأهم في مسألة الإعجاز العلمي، لأنّه من غير المألوف إطلاقاً أن لا يتناقض كتاب يرجع إلى ما قبل 1400 سنة مع معطيات العلم المعاصر. فكيف إذا عرفنا أنّ القرآن يتحدث بكثافة حول قضايا كثيرة تنتمي إلى فروع العلوم المختلفة!!

ويزداد الأمر إعجازاً عندما نعلم أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد عاش في دوائر من ظلمات أربع:

1. ظلمة أميّة العصر: حيث إنّ الحضارات البشريّة كانت في حالة من الركود والتراجع الفكري والحضاري لأكثر من قرنين سابقين على زمن البعثة.

2. ظلمة أميّة المجتمع: فلم يشهد المجتمع المكي وما حوله نهوضاً حضارياً. وكانت الأميّة هي الظاهرة السائدة، ومعرفة الكتابة هي الشذوذ. ومن ينظر إلى بساطة بنيان الكعبة يدرك ذلك.

3. ظلمة فقدان المعلم: فلم تعرف مكة المدارس، بل لم توجد روضة أطفال.

4. ظلمة أميتهِ، عليه السلام: فقد نشأ، عليه السلام، وترعرع أميّاً. ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة:" وما كنتَ تتلو من قبله من كتابٍ ولا تَخُطّه بيمينك إذاًلارتاب المبطلون" العنكبوت:48

كيف يمكن لبشر، بعد كل هذه الظلمات، أن يتكلم في فروع العلوم المختلفة، ثم هو لا يتناقض في مسالة واحدة، على الرغم من مضي 1400 سنة، وعلى الرغم من النهوض العلمي الهائل في العصور الأخيرة؟!

المقصود بعدم التناقض:

نُقل القرآن الكريم إلينا بالتواتر، أي أنّه قطعي الثبوت إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم. وفي القرآن الكريم ألفاظ لا تحتمل أكثر من معنى، مثل قوله تعالى:" إنّما إلهكم إله واحد"؛ فكلمة واحد لا تحتمل أكثر من معنى، أي أنها قطعيّة الدلالة. وقد سمّى البعض ما يثبت بقرآن لا يحتمل أكثر من معنى حقيقة قرآنيّة. أما الحقيقة العلميّة فهي القانون الذي أثبته العلم وأقام عليه الأدلة القطعيّة.

عندما نقول: لا تناقض بين القرآن الكريم ومعطيات العلم فإنّما نقصد بذلك أن لا تناقض بين حقيقّة قرآنيّة وحقيقة علميّة. وهذا يعني إمكانية حصول تناقض بين نظريّة علميّة وحقيقة قرآنيّة، أو حقيقة علميّة وقرآن يحتمل أكثر من معنى ويكون التناقض مع أحد المعاني المحتملة.

حاول الطبيب الفرنسي المشهور موريس بوكاي أن يكتشف تناقضاً بين حقائق العلم وحقائق القرآن الكريم فلم يستطع. وقد أشار بوكاي إلى ذلك في كتابه الرصين: (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم). فكيف يمكن لبشر عاش قبل 1400 سنة أن يتحدث في قضايا تمس شتّى العلوم ثمّ لا يتناقض في مسألة واحدة، على الرُّغم من التباين الهائل بين المعطيات العلميّة للعصور الحديثة ومعطيات العصور القديمة؟!. أليس هذا خرقاً للمألوف والعادة، وهل نجدُ في تاريخ البشريّة مثالاً على ذلك غير القرآن الكريم؟!

توافق ليس من معطيات العصور القديمة:

بعد الحديث عن عدم التناقض يأتي الحديث عن التوافق بين الحقائق القرآنيّة والحقائق العلميّة. وحتى يكون التوافق إعجازاً لا بد أن تكون المسائل المطروحة تتعلق بعلوم هي من اختصاص العلم المعاصر، أي العلوم التي نعلم تماماً أنّها معطيات العصور الحديثة ولا يسهل الزعم بإمكانيّة توصل الإنسان إليها في الماضي.

فعلى سبيل المثال، لو أخبرَ الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنّ نبتة معينة تشفي من مرض معين، فإنّ ذلك لا يُعتبر من باب الإعجاز العلمي، لاحتمال أن يكون البشر قد توصلوا إلى ذلك من خلال التجربة. أمّا التفصيل في الحديث حول تطور الجنين في رحم أمّه فإنّ ذلك من باب الإعجاز، لأنّ معرفة مثل هذا الأمر يحتاج أولاً إلى اكتشاف المجاهر، ثم إلى اكتشاف الأشعة السينيّة والموجات فوق الصوتيّة ... الخ، وذلك كله لم يكُن متيسراً للبشر قديماً. وعندما تكثر الأمثلة المتعلقة بالتوافقات المتنوعة، والمنتمية لأكثر من فرع من فروع العلم، يصبح الأمر أشد إعجازاً. وبذلك يحصل التكامل المطلوب بين مبدأ عدم التناقض ومبدأ التوافق.

وقد يعمد البعض، ممن يكتبون في الإعجاز العلمي، إلى التوسع المؤدّي إلى التعسّف وتحميل النصوص ما لا تحتمل، رغبة منهم في جذب الناس وتقريبهم إلى الدين. وهذا مسلك يأباه الدين الحنيف، وهو بناء على أسس هشّة غير متينة. من هنا ينبغي التنبه إلى ذلك والتدقيق والتمحيص قبل إصدار الحكم بوجود الإعجاز العلمي.

مثال على خطأ في منهج التفكير:

ترجع بعض الأخطاء في هذا الباب إلى خلل في منهجيّة التفكير أو غفلة يدعو إليها التسرّع أو التقليد غير الواعي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك المسالة المشهورة، والتي يرددها حتى بعض كبار العلماء المعاصرين، عندما يقولون: إنّ القرآن الكريم قد تحدث عن الذرّة باعتبارها أصغر جزء في المادة. وهذا فهم عجيب لأمور:

1. لم ينص القرآن الكريم على أنّ الذرّة هي أصغر جزء في المادة، بل على العكس تماماً فقد ذكر أنّ هناك ما هو أصغر من الذرّة؛ جاء في الآية 61 من سورة يونس:" ... وما يعزُبُ عن ربّك من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ إلا في كتاب مبين". وورد مثل هذا المعنى في الآية 3 من سورة سبأ.

2. الذرّة: لغة هي النملة الصغيرة، والذّر هو النمل الصغير. فكيف تمّ تحريف هذا المعنى ليصبح معنى الذرة هو أصغر جزء في المادة؟!

3. يتألّف أصغر جزء في المادة من بروتونات ونيوترونات وإلكترونات. وهو يسمى في لغة مكتشفيه ( Atom) أما تسميته (ذرّة) فاجتهادُ مُترجَم بعد قرون من نزول القرآن الكريم، وكان يمكن أن تترجم الكلمة ترجمة أخرى.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير