تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

والسبب الآخر في عدم نجاحنا من الاقتراب من الغرب هو أننا أسأنا فهم الغرب. فالغرب ليس مجرد وجود سياسي وجغرافي Geopolitical Entity بل هو أيضا معنى ومجاز لأن الغرب كان من الناحية الجغرافية أول بلد شهد عصيانا وتمردا ضد الألوهية، وحسب علمنا فالمدنية الغربية المعاصرة هي المدنية الوحيدة التي لا تملك أي عقيدة دينية ظاهرية في قلبها، وهكذا فالغرب معنى ومجاز أو رمز لكسوف شمس العقيدة وخسوف الإيمان ... رمز لإقصاء الإله. وبما أن هذا الإقصاء والكسوف لم يعد منحصرا في الغرب كموقع جغرافي، فإن الإنسان يستطيع أن يقول أنه أينما أقصيت حقائق الإيمان فالغرب موجود هناك. لذا يجب النظر إلى الغرب كحالة ذهنية خاصة وكمرض وكانحراف. ويشير بديع الزمان إلى أن السبب الأصلي والجذري لهذا

هو “الأنانية” وعبادة النفس.

فمنذ عصر النهضة الأوروبية جعل إنسان الغرب نفسه المرجع والمصدر الوحيد له، والمركز الوحيد للكون حواليه، أي جعل نفسه القسطاس والميزان الوحيد لحياته البائسة، لقد حاول سرقة أردية الأسماء الحسنى لله تعالى، وحاول لبسها وتقديم نفسه كإله. ولكن هذه الأردية لم تناسبه، ولا يمكن أن تناسبه أبدا.

إن الإنسان الغربي الذي لا يتقبل فكرة أن وظيفته تنحصر في إظهار وتجلية (عكس) الصفات الإلهية باسم الخالق وحسب إرادته ورضاه سبحانه وتعالى ... بدلا من هذا نراه يرغب في إعلان هذه الصفات وكأنها ملك له، ويصرف حياته كلها في محاولة إدخالها ضمن ملكيته المتخيلة المزعومة. وفي أثناء حياته يجره بحثه عن اللانهائي إلى منافسة حادة (بل مميتة في أحيان كثيرة) مع أبناء جنسه.

ومما يزيد من ضرام الرغبات اللانهائية للإنسان معرفته بأنه محدود وعاجز ومرتبط (أي غير مستقل)، وأنه سيضطر في يوم من الأيام إلى تسليم كل شيء حسبه وتخيله ملكا له، وأنه سيواجه الفناء والزوال، وبدلا من أن تقوده محدوديته ونقصه إلى تذكيره بعجزه وبفقره المطلق، فإنه يحاول التهرب والاختباء من هذه الحقيقة، وذلك بتنويم نفسه تنويما مغناطيسيا.

والإنسان الغربي الذي يحاول الهرب من الأفكار الحزينة حول مصيره النهائي نراه يروم خنق وإخماد ما وهب له وما ركز في فطرته من قابلية معرفة وحب خالقه وعلى الوصول إلى أنه بحد ذاته ليس بذي شيء، وإنه لا يملك شيئا.

إن المجتمع الغربي الدنيوي المنهمك في شؤونه الذاتية فقط مصمم ومنظم (في جميع مستوياته) لكي يعمي الإنسان ويستغفله، ولكي يخفي حقيقة واضحة وهي أن عقيدة الأنانية فشلت في تحقيق وعودها، وأن عقيدة التثليث الدنيوية وهي (التقدم بلا حدود ... الحرية دون حدود ... البهجة دون قيود) أصبحت دون معنى، مثلها في ذلك مثل عقيدة التثليث المسيحية التي نبذت قبل قرون، وكذلك ليخفي حقيقة أن مبدأ “الإنسانية الدنيوية” Humanism Secular ( الذي يشكل التقدم الاقتصادي والعلمي قادته وروحه)، قد حول الغرب إلى أرض قاحلة من ناحية الروح، واتلف أجيالا بعد أجيال، وخربها وأفسدها.

ومع ذلك فإن هناك من بدأ يستيقظ ويدرك أنه كان يعيش في عالم من الوهم والخداع.

إذن فمن الضروري أن يحذّر هؤلاء من مرض “أنا”

وإنه من العبث أن نقول لمن ابتلي بهذا المرض أن النظام الاقتصادي الإسلامي هو أفضل نظام،

أو أن نقول له أن النظام الحقوقي والقانوني للإسلام هو أعدل نظام،

لأنك لا تستطيع أن تشفي شخصا مصابا بمرض السرطان بأن تعطيه سترة جديدة، ولكنه يحتاج إلى تشخيص صائب

وإلى

عملية جراحية جذرية وأساسية،

تعقبها معالجة ومداومة مستمرة،

ورسائل النور تقدم كل هذه الأمور.

تتذكرون أني كنت قد صرفت النظر عن رسائل النور في السابق على أساس أنها كتب تصوف. وسمعت آخرين يصفونها هكذا أيضا، ولكن الحقيقة كانت شيئا آخر، ذلك لأنه ما من إبهام أو غموض في الاختيار البراق والواضح تماما الذي يضعه سعيد النورسي أمامنا:

إما إيمان أو إنكار

إما سعادة أبدية أو شقاء أبدي

إما خلاص أو هلاك

إما جنة أو نار

وذلك في هذه الدنيا وفي الآخرة.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير