تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وشهد تاريخ الدعوة كذلك مصرع المشركين الذين استعصوا على الهدى والإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وانتصار المؤمنين انتصاراً كاملاً، مع انتصار العقيدة في نفوسهم انتصاراً عجيباً. وتم للمرة الوحيدة في تاريخ البشرية أن أقيم منهج الله مهيمناً على الحياة في صورة لم تعرفها البشرية قط، من قبل ولا من بعد.

وشهد - كما رأينا - نموذج أصحاب الأخدود ..

وشهد نماذج أخرى أقل ظهوراً في سجل التاريخ الإيماني في القديم والحديث. وما يزال يشهد نماذج تتراوح بين هذه النهايات التي حفظها على مدار القرون.

ولم يكن بدّ من النموذج الذي يمثله حادث الأخدود، إلى جانب النماذج الأخرى. القريب منها والبعيد ..

لم يكن بد من هذا النموذج الذي لا ينجو فيه المؤمنون، ولا يؤخذ فيه الكافرون!

ذلك ليستقر في حس المؤمنين - أصحاب دعوة الله - أنهم قد يدعون إلى نهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله. وأن ليس لهم من الأمر شيء، إنما أمرهم وأمر العقيدة إلى الله!

إن عليهم أن يؤدوا واجبهم، ثم يذهبوا، وواجبهم أن يختاروا الله،

وأن يؤثروا العقيدة على الحياة،

وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة

وأن يصدقوا الله في العمل والنية.

ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم، كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء.

وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان،

أو إلى غيرها مما يعلمه هو ويراه.

إنهم أجراء عند الله.

أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا، عملوا وقبضوا الأجر المعلوم!

وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير،

فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير!

وهم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب، ورفعة في الشعور، وجمالاً في التصور، وانطلاقاً من الأوهاق والجواذب، وتحرراً من الخوف والقلق، في كل حال من الأحوال.

وهم يقبضون الدفعة الثانية ثناء في الملأ الأعلى وذكراً وكرامة، وهم بعد في هذه الأرض الصغيرة.

ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حساباً يسيراً ونعيماً كبيراً.

ومع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعاً. رضوان الله،

وانهم مختارون ليكونوا أداة لقدره وستاراً لقدرته، يفعل بهم في الأرض ما يشاء.

* * *

وهكذا انتهت التربية القرآنية بالفئة المختارة من المسلمين في الصدر الأول إلى هذا التطور، الذي أطلقهم من أمر ذواتهم وشخوصهم.

فأخرجوا أنفسهم من الأمر البتة،

وعملوا أجراء عند صاحب الأمر ورضوا خيرة الله على أي وضع وعلى أي حال.

وكانت التربية النبوية تتمشى مع التوجيهات القرآنية، وتوجه القلوب والأنظار إلى الجنة،

وإلى الصبر على الدور المختار حتى يأذن الله بما يشاء في الدنيا والآخرة سواء.

كان - صلى الله عليه وسلم - يرى عماراً وأمه وأباه - رضي الله عنهم - يعذبون العذاب الشديد في مكة، فما يزيد على أن يقول: " صبراً آل ياسر. موعدكم الجنة " ..

وعن خبّاب بن الأرثّ - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد برده في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ أو تدعو لنا؟ فقال: " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه. ما يبعده ذلك عن دينه. والله ليتممن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، فلا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون " .. [أخرجه البخاري].

* * *

إن لله حكمة وراء كل وضع ووراء كل حال،

ومدبر هذا الكون كله، المطلع على أوله وآخره، المنسق لأحداثه وروابطه.

هو الذي يعرف الحكمة المكونة في غيبه المستور، الحكمة التي تتفق مع مشيئته في خط السير الطويل.

وفي بعض الأحيان يكشف لنا - بعد أجيال وقرون - عن حكمة حادث لم يكن معاصروه يدركون حكمته، ولعلهم كانوا يسألون لماذا؟ لماذا يا رب يقع هذا؟ وهذا السؤال نفسه هو الجهل الذي يتوقاه المؤمن. لأنه يعرف ابتداء أن هناك حكمة وراء كل قدر، ولأن سعة المجال في تصوره، وبعد المدى في الزمان والمكان والقيم والموازين تغنيه عن التفكير ابتداء في مثل هذا السؤال. فيسير مع دورة القدر في استسلام واطمئنان ..

لقد كان القرآن ينشئ قلوباً يعدها لحمل الأمانة،

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير