تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[من آفات القراء]

ـ[أبو سهيل]ــــــــ[16 - 09 - 2010, 04:44 ص]ـ

[من آفات القراء]

(1 ـ 2)

أحمد بن عبد الرحمن الصويان

اشتهر عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي صاحب الكتاب العظيم: (الجرح والتعديل) بملازمته لوالده، وكثرة أخذه عنه، وكان يقول: "ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه" (1).

إنَّ القراءة هي إحدى الوسائل المهمة لاكتساب العلوم المختلفة، والاستفادة من منجزات المتقدمين والمتأخرين وخبراتهم. وهي أمر حيوي يصعب الاستغناء عنه لمن يريد التعلم، وحاجة ملحَّة لا تقل أهمية عن الحاجة إلى الطعام والشراب. ولا تقدُّم للأفراد ـ فضلاً عن الأمم والحضارات ـ بدون القراءة؛ فبالقراءة تحيا العقول، وتستنير الأفئدة، ويستقيم الفكر.

والقراء المنهجيون هم ـ في الغالب ـ النخبة المتميزة، والصفوة المؤثرة في التكوين الفكري والبناء الثقافي والمعرفي للأمة، ولهذا كانت العناية بالقراء عناية بروح الأمة وقلبها الحي النابض القادر على البناء والعطاء.

والقراءة ملكة وفنّ لا يجيده كلّ أحد؛ فكم من القراء الذين يبذلون أوقاتاً طويلة في القراءة؛ ومع ذلك فإن حصيلتهم وإفادتهم منها قليلة جداً .. !

وفي حلقتين اثنتين سأذكر ـ مستعيناً بالله ـ بعض الآفات التي قد تعرض لبعض القراء خاصة في بداية سلوكهم لهذا السبيل.

الآفة الأولى: قلة الصبر على القراءة والمطالعة:

وهذه آفة قديمة ازدادت في عصرنا هذا خصوصاً مع كثرة الصوارف والمشغلات الأخرى؛ حيث أصبح كثير من القراء لا يقوى على مداومة القراءة، ويفتقد الأناة وطول النفس، ولا يملك الجَلَد على المطالعة والبحث والنظر في بطون الكتب وكنوز العلم والمعرفة، وحينما يبدأ القارئ بالاطلاع على الكتاب سرعان ما يضعه جانباً ويشتغل بأمر آخر.

إنَّ الساحة الفكرية اليوم تعاني من خلل ظاهر في بناء ملكة القراءة، وها أنت ترى كثيراً ممن يدخلون في (زمرة المثقفين!) من أصحاب الشهادات الجامعية، بل حتى أصحاب الشهادات العليا، ومع ذلك تفاجأ بأن كثيراً منهم ربما يعجز عن إتمام قراءة كتاب واحد خارج تخصصه .. !

إننا نعاني من أزمة حادة في عزوف كثير من المثقفين ـ فضلاً عن العامة ـ عن القراءة والبحث، مما أدى إلى اضطراب في التفكير العام، وسطحية مفرطة في كثير من الرؤى، وضحالة علمية حجبت منافذ البصيرة.

وترويض النفس وتربيتها وقسرها على القراءة من أنجح السبل لبناء تلك الخَلَّة الكريمة، خاصة عند نعومة الأظفار وبداية الطلب. وقد يعجز المرء في البداية، أو تصيبه السآمة والملل، ولكنه بطول النفس وسعة الصدر والعزيمة الجادة سوف يكتسب بإذن الله ـ تعالى ـ هذه الملكة حتى تصبح ملازمة له لا يقوى على فراقها، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما العلم بالتعلم" (2)، وتكوين هذه العادة وغرسها في النفس من أولى ما يجب الاعتناء به لدى القراء والمربين.

ولست أدري كيف نروم ـ معاشرَ الدعاة ـ العزة والتمكين، ونتطلع إلى تغيير مسار التاريخ، وهممنا تتقاصر عن الانكباب علي كتب العلم والمعرفة، ونرضى بالقليل من المعلومات العائمة المفككة التي نحصل عليها من هنا أو هناك .. ؟!

وانظر إلى تلك المزية الجليلة التي تسنمها أسلافنا في هذا الباب، فها هو ذا مثلاً الحسن الؤلؤي يقول: "لقد غبرت لي أربعون عاماً ما قمتُ ولا نمت إلا والكتاب في صدري" (3)، وحدَّث ابن القيم فقال: "أعرف من أصابه مرض من صداع وحمى، وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب عليه وضعه" (4).

الآفة الثانية: ضعف التركيز:

كثير من القراء يقرأ بعينيه فقط، ولا يقرأ بفكره، ولا يستجمع قدراته العقلية في التفهم والبحث. وربما جال القارئ بعقله يميناً ويساراً، وطافت بخاطره ألوان من الهموم والمشاغل، ثم يفاجَأ بأنه قضى وقتاً طويلاً لم يخرج فيه بمادة علمية تستحق الذكر.

وبعض القراء يبدأ بهمة ونشاط وتركيز، ولكنه بعد أن يقرأ قليلاً من الصفحات يبدأ بالتململ التدريجي، حتى ينفلت الزمام من يديه، ويستيقظ فجأة بعد أن سبح في عالم رحب من الخواطر الشخصية البعيدة عن مادة الكتاب، قال طه حسين: "كثيراً ما نقرأ لنقطع الوقت لا لنغذو العقل والذوق والقلب. وكثيراً ما نقرأ لندعو النوم لا لنذوده عن أنفسنا" (5).

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير