تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

قال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا) أي أن هذا الذي نالوه، إنما هو بسبب كفرهم بالله، عز وجل، (وِفَاقًا) على ما قدموا من سالف أعمالهم السيئة، والجزاء من جنس العمل. ثم علل الله تعالى، استحقاقهم لهذا العذاب الشنيع، فقال سبحانه: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) أي: كانوا في الدنيا لا يخافون, فيرجون هنا، بمعنى يخافون. وإنما فسرت (يَرْجُونَ) بمعنى يخافون, لأن الرجاء جاء هنا منفياً, فإذا جاء الرجاء منفياً، فإنه بمعنى الخوف, لأنه رجاءٌ يُخاف ألا يتم. ليس المقصود يرجون أي: يتمنون ويبغون ويطلبون, كلا, بل المقصود ضد ذلك, وهذه قاعدة مطردة في القرآن العظيم. فقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) أي أنهم كانوا ينكرون البعث، حتى إن أحدهم، وهو أبي ابن خلف، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه عظم بالٍ، ففته أمامه وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن صار رميماً؟ قال: نعم، يبعثك ويدخلك النار. وأنزل الله في شأنه: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس/78]

قال تعالى: (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) أي: إن آياتنا قد جاءتهم تلوح كالشمس؛ ظاهرةً، مبهرة، لكنهم كذبوا بها! فلا عذر لهم. وقوله: (كِذَّابًا) تأكيد, وإن كان من غير فعله، لأن (كذب) مصدره تكذيباً, لكن يصح أن يأتي المصدر من غير فعله, فقوله: (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) كناية عن شدة تكذيبهم. وقد كانوا كذلك؛ فإنه يأتيهم الحق البين، يسمعون القرآن ينزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، ويفلق لهم القمر فلقتين، يأتيهم بالآيات الواضحات، فلا يزيدهم ذلك إلا كفراً، وتكذيباً.

قال تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) فلم يخرج عنه شيء أبداً, فكل شيء أحصاه الله عز وجل, ومعنى (أَحْصَيْنَاهُ) أي: ضبطناه، وعددناه، وحفظناه؛ لأن أحصى تأتي بمعنى العد، كقول الله عز وجل: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [إبراهيم/34] , ويأتي بمعنى الضبط، كتسمية العرب للعقل حصاة، فهو يدل على التعقل، والحفظ, وقوله: (كِتَابًا) أي: مكتوباً, وهذا من تمام عدله سبحانه وتعالى. ولو شاء الله سبحانه وتعالى، لما كتب ذلك, لكن من باب إقامة العدل، وإظهار الحجة, قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق/18]. فقد وكل الله تعالى بكل إنسان، ملكين، يكتبان ما يبدر منه، من قول، أو فعل، فلا يضيع شيء, قال تعالى: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) [الإسراء/13]. فهذه حجة بالغة، لا يثبت لأحد اعتراض عليها، حتى أنه إذا اعترض الكافر، يريد أن يتشبث بأي شيء, كالغريق الذي يتشبث بالقشة, يقول ظلمني الكتبة, قال الله تعالى: ألا يرضيك أن نبعث عليك شاهداً من نفسك؟ فيقول بلى يا ربي! فيختم الله تعالى على فيه، ويُنطق الله جميع جوارحه، فيكون أول من يشهد عليه فخذه، وتشهد عليه جوارحه، ثم بعد ذلك يخلّى بينه وبين الكلام, فيقول: بُعداً وسحقاً فعنكن كنت أناضل (1) , قال تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس/65]

قال تعالى: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) يُقال إن هذه الآية هي أشد آية على أهل النار. وقد روي في ذلك حديث مرفوع، لكنه لا يصح, وروي حديث موقوف عن ابن عمر، رضي الله عنهما, وعن بعض السلف، أن هذه الآية أشد آية على أهل النار, ذلك أنهم يدعون الملائكة، ويقول قائلهم: (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) [الزخرف/77]، فتقول لهم الملائكة: (فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [غافر/50]، ثم يأتيهم الجواب الشديد، الذي وقعه عليهم أشد من وقع العذاب الذي هم فيه: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) أي: ليس هذا فقط، بل إن عذابكم سيزداد.

ومما يؤخذ من الفوائد من هذا المقطع:

الفائدة الأولى: إثبات البعث، وأهوال القيامة الكبرى.

الفائدة الثانية: إثبات الحساب، والفصل في الحقوق، والله تعالى سماه يوم الفصل.

الفائدة الثالثة:إثبات النار, وذكر أنواع العذاب فيها؛ من عذاب حسي وعذاب معنوي.

الفائدة الرابعة: العدل الإلهي؛ فالجزاء من جنس العمل. ويؤخذ من قوله تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا).


(1) أخرجه البخاري برقم (50)؛ ومسلم برقم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وأخرجه مسلم برقم (8) من حديث عمر رضي الله عنه.

(1) أخرجه البخاري برقم (3688)؛ ومسلم برقم (2639) من حديث أنس رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاري برقم (6506) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) أخرجه البخاري برقم (4814)؛ ومسلم برقم (2955) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(1) أخرجه النسائي في الكبرى برقم (11016)؛ والترمذي برقم (3243). وصححه الألباني " الصحيحة (1078 ,1079) ".

(1) أخرجه مسلم برقم (2968) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وبرقم (2969) من حديث أنس رضي الله عنه بمعناه.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير