تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[ضوابط الإعجاز العلمي]

ـ[جمال الدين عبد العزيز]ــــــــ[12 May 2009, 09:38 م]ـ

مقدمة:-

إن التعامل مع القرآن سواء كان ذلك في التفسير أو الاستدلال أو الإعجاز أو غير ذلك يرتكز على عنصرين في غاية الأهمية؛ هما:

أ/ مراد الله تعالى الذي عبر عنه من خلال النص القرآني.

ب/ فهم المتلقي للمعاني الإلهية، وهذا المتلقي له إطاره المعرفي والحضاري والاجتماعي والثقافي الخاص.

وهذا الإطار الذي يحيط بالمتلقي له دوره السلبي أو الإيجابي في فهم مراد الله تعالى، ومعلوم أنه لا عبرة بفهم هذا المتلقي إطلاقاً إذا اتضحت مخالفته لمراد الله تعالى ومقاصده، وإنما تكتسب اجتهادات البشر وفهومهم قيمتها وتحظى بالقبول بقدر نهوض الأدلة التي تؤكد مطابقتها لمراد الله تعالى.

ولا شك أن اختلاف الدارسين للإعجاز وتنوع بيئاتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية ـ من شأنه أن يؤثر في دراساتهم؛ وما ذلك إلا لأن الفكر لا ينبثق من العدم ولا ينشأ من الفراغ بحال، ومعلوم أن الواقع الفكري له تأثير عظيم في الأفكار؛ إذ أن الأفكار غالباً ما تكون طرحاً منظماً مدروساً مبنياً على الواقع بما فيه من ملابسات وتركيبات.

ـ[جمال الدين عبد العزيز]ــــــــ[12 May 2009, 09:39 م]ـ

أثر الواقع الفكري على الدراسات الإعجازية:

إذا كان الأمر كما سبق فإن كل الدراسات للإعجاز القرآني إنما تأثرت بالواقع الفكري للدارسين وما يحيط بهم من عوامل فكرية وثقافية واجتماعية، ومعلوم أن إبراهيم بن سيار النظام الذي كان أول من ألف في الإعجاز القرآني قد أثرت فيه روح عصره؛ إذ واجه واقعاً مريجاً اختلفت فيه الآراء والملل، وكان منتصراً لدين الله في وجه كل مخالف مستعيناً بكل ما استعان به هولاء المخالفون من منطق وبراهين، ورجل هذا شأنه ـ إزاء أعداء ذوى فكر معقد ـ لابد أن يكون فيه غير قليل من الغرابة؛ إذ أنكر النظام الإعجاز البلاغي وذهب إلى أن معجزة القرآن في صدق حقائقه؛ وما ذاك إلا لأنه قد نازل عدواً كثير الحيل معقد الأفكار في معركة شديدة التعقيد؛ ولهذا كان مقيداً بشروط القتال وتقلّب أحواله وملاحقة عدوه في حركاته وسكناته، وربما أثرت فيه روح العدو بكثرة الملابسة وتشكلت طريقته بحسب حيله ومكره وردود أفعاله إزاء ذلك؛ ولهذا تراه أنكر وجهاً من الإعجاز وثبّت الآخر رغم أن القرآن معجز من جميع الوجوه

وإذا كان النظام قد عوّل على المعاني غير معتد بالبلاغة ولا جاعلاً إياها معجزة فإن تلميذه الجاحظ الذي واجه الشعوبية ـ الذين هاجموا بلاغة العرب ـ قد نظر وبحث؛ ملابساً الواقع الأدبي والنقدي في عصره؛ حتى أقام الدليل الساطع على الإعجاز البلاغي بما بسط فيه من القول؛ راداً على النظام من جهة وعلى من هاجم بلاغة القرآن من الشعوبية والملاحدة وغيرهم.

ولما امتلأ الأفق الفكري بآراء الزنادقة والملاحدة الذين حاولوا تشويه صورة القرآن واعترضوا فيه بالطعن ولغوا فيه وهجروا وزعموا فيه التناقض واللحن وفساد النظم ـ ألف ابن قتيبة كتابه (تأويل مشكل القرآن) للرد عليهم.

ولما ظهر البديع وزخرفت به الأشعار وزعم أهل ذلك العصر أن هذه الصنعة قد ميزتهم عن من سبقهم وسمت بأدبهم إلى مرتبة لم يبلغها العرب الأقدمون، واتخذ ذلك أداة للهجوم على أسلوب القرآن العظيم، إذ جعل ذلك البديع مقياساً للبلاغة ـ عاب الإمام الباقلاني على اللغويين والنحاة انشغالهم بالجزء ودقيق الكلام وغامض الإعراب مع أن الانشغال بالإعجاز أوجب والحاجة إليه أمسّ؛ فألف كتابه (إعجاز القرآن) رافضاً فيه أن يكون الإعجاز من جهة ما يتضمنه القرآن من البديع؛ وذلك لأن البديع عنده ليس فيه ما يخرق العادة أو يخرج عن العرف بل إنه يمكن استدراكه بالتعلّم والتصنّع له، كما حمل على بعض الآراء المخالفة لإعجاز القرآن في عصره.

ولما اشتد الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة، والنحويين والمناطقة، وتم التعصب للأفكار وأشيعت العموميات غير الدقيقة في الإعجاز وفشا التمسّك باللفظ المجرد وسهولته وغرابته وأوزانه ـ أنشأ عبد القاهر الجرجاني نظريته العظيمة في الإعجاز وهي "نظرية النظم" مستنداً فيها على النحو ومفسّراً للإعجاز به.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير