تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

(1) إنما أنزل الله القرآن نجما نجما ليطابق حالهم، فيكون أقرب إليهم فهما وأبلغ فيهم تأثيرا. فإن القول كالمطر والبذر له وقت وموسم. بل للقول مناسبة بالمخاطبين. فإن شئت فاسأل الحراث والخطباء وشاهد حالهم. وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه أن هذا كتاب عنده مكتوب مجموع قديم في لوح محفوظ، وإنما نزله حسب مقتضيات الوقت. وقد حكى القرآن قيل الكفار: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) [سورة الفرقان /32] فجاء جوابهم من الله تعالى: (كذلك لنثبت به فؤادك) [سورة الفرقان /32] فكما أن الشجر يسقى بالماء حينا بعد حين ليثبت به أصله ويغلظ ويرسخ تحت الثرى فينمو وينتشر. فإن أكثر السقي فسد الأصل وربما يجعل الأرض رخصا فيسقط الشجر. وأي تعليم أو تربية تاتي جملة واحدة، فكذلك الأمر في الوحي للنبي وأمته التي تستقى بماء الوحي. وهذا مثل المطر للوحي جاء في القرآن والكتب المقدسة.

فمن آمن بأن هذا الكتاب قديم، كما قال تعالى: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم) سورة الزخرف /4] وقال تعالى: (وقرآنا فرقناه) [سورة الإسراء /106] وإنما نُزل حسب المواقع التمس المواقع وصورها في ذهنه ليعلم المراد ووجهة القول.

ولذلك اعتنى العلماء بهذا العلم وسموه علم أسباب النزول، ولم يريدوا بالأسباب العلة فإنه معنى مولد، والسبب عند العرب ما يتعلق بالشئ ويهدى إليه ويتصل به. في سورة الكهف: (وآتيناه من كل شئ سببا فأتبع سببا) [84 - 85] وفي سورة المؤمن: (لعلى أبلغ الأسباب أسباب السماوات) [36 - 37] وهذا كثير في كلام العرب.

فذكروا في هذا الفن كل ما يتعلق بالكلام.

وأشهر الكتب في أسباب النزول كتاب الشيخ الإمام أبى الحسن علي بن أحمد الواحدى المفسر المتوفى 468هـ وقد طبع، ورأيته. فقد جمع فيه الأقوال ولم يشدد في النقد وتركه للناظر فيه، وهذا أحوط للمؤرخ.

(2) ولما أنه تتضح وجهة الكلام من علم موقعه ومحله وما ينطبق عليه جمع العلماء ما وصل إليهم من جماعة الصحابة الذين شاهدوا نزول القرآن من قولهم نزل كذا في كذا. أي هذا هو محل هذه الآية. وإذ قد اختلفت الروايات في هذا الباب اختلافا كثيرا أشكل على العلماء التوفيق بينها. وأكبر الإشكال أنه سبق إلى أكثر الظنون أن واقعة خاصة كانت علة لنزول آية خاصة، ويضيق في ذلك نطاق التوفيق. فبعض الروايات تذكر أمرا وقع بمكة وبعضها يذكر ما وقع بالمدينة بعد زمان. فأزاح هذا الإشكال الإمام بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي الشافعي المتوفى 794هـ في كتابه: البرهان، فقال: "قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها. فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع".

فجلى بهذا البيان المحكم شبهات كثيرة نشأت من الظن بأن قولهم نزلت كذا في كذا نقل واقعة وشهادة حادثة لابد أن يقبلوا الرواية فيها. فتلقى العلماء هذا القول البين بالقبول وعولوا عليه عند اختلاف الروايات.

(3) كان في قول الزركشي كفاية للماهر، ولكن صاحب الإتقان أحب أن يفصل الأمر، فذكر سبعة وجوه لرفع الاختلاف في ذكر الأسباب. والآن نوردها، ثم نبحث عن مدار الأمر ومركزه:

(1) كونها من جنس الاستدلال، وهو ما قال الزركشي رحمه الله.

(2) ترجيح المصرح على المجمل. فإن الذي يصرح فعلمه أتم وأحفظ.

(3) ترجيح الأصح على الأضعف صحة.

(4) ترجيح ما كان راويه حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيح، وهذا علته كما ذكرنا في الوجه الثاني.

(5) توفيق بين الأسباب بنزول الآية عقيبها، وذلك حين يحتمل قرب الأزمنة.

(6) تعدد النزول إذا تباعدت أوقات الواقعات.

(7) رد بعض الروايات إلى أن الراوي إنما سمع النبي أنه تلا وظن أنه نزل حينئذ.

وذكر صاحب الإتقان هذا الوجه السابع تحت تنبيه ولم يجعله وجها برأسه، لما أنه رحمه الله عول في ذلك على رواية ذكرت أنه تلا، ومثل هذه الرواية قليل جدا. ولا يخفى عليك أنه حينئذ يدخل في التصريح. وجعل آخر الوجوه تعدد النزول، فإنه لبعده كما تعلم لا يصار إليه إلا بعد ما انسدت جميع الأبواب. فإن أمعنت النظر في الروايات كنت في مندوحة عن هذا أضعف الوجوه ورددته إلى وجوه أخر. والآن نذكر ما يدور عليه الأمر في هذا البحث.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير