تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

- يقول ابن عاشور: (إنّ الآية نزلت في الأمر بإقامة الصّلوات وإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بها الذي سأله عن "القُبلة" الحرام وقد جاء تائباً ليعلمه بقوله: "إن الحسنات يذهبن السيّئات"، فيؤوّل قولُ الراوي: فـ"أنزلت عليه"، أنّه أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضيّة السائل ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب غير الفواحش، ويؤيّد ذلك ما في رواية الترمذي عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قوله: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأقم الصّلاة" ولم يقولا: (فَأنْزل عليه)؛ أي أن ابن عاشور قد جعل الإنزال للحكم لا للآية حتى يوفّق بين الروايات.

- قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية في أحداث كثيرة مختلفة بالمدينة؛ حين قبّل رجل امرأة في بستان، وحين قبّل آخر امرأة جاءت تبتاع تمراً، وحين جاء رجل ثالث وقال "يا رسول الله أقم فيّ حد الله"، وحين أتى رجل رابع كل شي في امرأة غير أنه لم يجامعها، و حين وجد رجل خامس امرأة على غدير ماء تغتسل، و حين كان رجل سادس مع امرأة جاءت تشتري الدقيق، و حين ضرب رجل سابع على كفل امرأة "وهذه القصص يروى فيها كلها أنها نزلت تلك الآية، وقد طالع الباحث ذلك في كتب الحديث فوجد أنها أنزلت نحو سبع مرات في قصص مختلفة، مما يؤكد أن الروايات التي جاء فيها لفظ "فقرأ" أرجح؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استشهد في هذه المواقف كلها بهذه الآية استشهاداً؛ ولهذا يقول ابن حجر: (ظاهر سياق هذه القصص يدل على أنها متأخرة عن نزول الآية)

في سورة النحل:-

في سورة النحل المكية ذهب بعض العلماء إلى أن قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) قد نزل بالمدينة عند أحد، ثم نزل أيضا يوم الفتح، ولكن ذلك أيضاً فيه نظر الآتي:

- هذه الآية مكية كسورتها إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استشهد بها في أحداث مدنية، وقد ارتبط ما حدث يوم الفتح مع ما حدث يوم أحد، وما حلف الأنصار وأقسموا على الانتقام إلا لما حدث في أحد؛ فلما كان يوم الفتح حان وقت التنفيذ، وقد جاءت روايات كثيرة تثبت هذا الارتباط، وقد نادى يوم الفتح بالانتقام "رجل لا يُعرَف" وقال: "لا قريش بعد اليوم "كما جاء في مسند الإمام أحمد وشعب الإيمان للبيهقي وسنن النسائي والمستدرك للحاكم فتم النهي عن الانتقام في الحال،مما ينفي نزولها عند ذلك، ولكن يبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكّر المسلمين بالآية في الحالين.

- أما نزولها بعد أحد فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأها وهو واقف لم يبرح مكانه وبين يديه حمزة رضي الله عنه وهو مقتول وقد مثّل الكفار به؛ فقال: (والله لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك) والحديث في المستدرك والبزار والطبراني في الكبير والبيهقي والواحدي في أسباب النزول، وجميعهم من طريق صالح بن بشير المري و هو ضعيف ورواه كذلك الدارقطني وفيه عبد العزيز بن عمران وهو أيضاً ضعيف، وقد عدّ الغساني والألباني هذا الحديث من الأحاديث الضعاف.

- الذي أقسم على الانتقام فقال عند ما أصيب بعض المسلمين ومنهم حمزة: "لئن أصبناهم يوماً مثل هذا لنربينّ عليهم" هم الأنصار وليس النبي صلى الله عليه وسلم، بل يبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم - رغم حزنه الشديد - قد ذكّرهم بالآية.

- ذكر ابن عباس ما يدل على أن الآية قد نزلت في الاعتداءات الفردية التي كانت تقع بمكة حيث لا نظام للمجتمع ولا قانون، وقد تغير ذلك الوضع بالمدينة؛ يقول ابن عباس - في قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) وقوله: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) وقوله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) وقوله: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) - فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم سلطان يقهر المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى؛ فأمر الله المسلمين من يجازى منهم أن يجازوا بمثل الذي أتى إليه أو يصبروا ويعفوا؛ فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأعز الله سلطانه - أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير