تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

معاني النحو فيها فقل في "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل": من نبك قفا حبيب ذكرى منزل، ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها" (15).

"واعلم أني لست أقول إنّ الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلاً، ولكني أقول إنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو، ومنطوقًا بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها كالذي أريتك، وإلا فإنك إذا فكرت في الفعلين أو الاسمين تريد أن تخبر بأحدهما عن الشيء أيهما أولى أن تخبر به عنه، وأشبه بغرضك مثل أن تنظر أيهما أمدح وأذم، أو فكرت في الشيئين تريد أن تشبه الشيء بأحدهما أيهما أشبه به كنت قد فكرت في معاني أنفس الكلم، إلا أنّ فكرك ذلك لم يكن إلا من بعد أن توخيت فيها معنًى من معاني النحو، وهو أن أردت جعل الاسم الذي فكرت فيه خبرًا عن شيء أردت فيه مدحًا أو ذمًّا أو تشبيهًا أو غير ذلك من الأغراض. ولم تجئ إلى فعل أو اسم ففكرت فيه فردًا، ومن غير أن كان لك قصد أن تجعله خبرًا أو غير خبر، فاعرف ذلك. وإن أردت مثالاً فَخُذْ بيت بشّار:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

وانظر هل يتصور أن يكون بشّار قد أخطر معاني هذا الكلم بباله أفرادًا عارية من معاني النحو التي تراها فيها، وأن يكون قد وقع كأن في نفسه من غير أن يكون قصد إيقاع التشبيه منه على شيء، وأن يكون فكر في مثار النقع من غير أن يكون أراد إضافة الأول إلى الثاني، وفكر في فوق رؤوسنا من غير أن يكون قد أراد أن يضيف فوق، إلى الرؤوس، وفي الأسياف من دون أن يكون أراد عطفها بالواو على مثار، وفي الواو من دون أن يكون أراد العطف بها، وأن يكون كذلك فكر في الليل من دون أن يكون أراد أن يجعله خبرًا لـ"كأنّ"، وفي تهاوى كواكبه من دون أن يكون أراد أن يجعل تهاوى فعلاً للكواكب، ثم يجعل الجملة صفة لليل ليتمّ الذي أراد من التشبيه، أم لم يُخطِر هذه الأشياءَ بباله إلا مرادًا فيها هذه الأحكام والمعاني التي تراها فيها.

وليت شعري كيف يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى، ومعنى القصد إلى معاني الكلم أن تعلم السامع بها شيئًا لا يعلمه، ومعلوم أنك أيها المتكلم لست تقصد أن تعلم السامع معاني الكلم المفردة التي تكلمه بها فلا تقول: خرج زيد، لتعلمه معنى خرج في اللغة، ومعنى زيد، كيف، ومحال أن تكلّمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف. ولهذا لم يكن الفعل وحده من دون الاسم، والاسم وحده من دون اسم آخر أو فعل كلامًا. وكنت لو قلت: خرج ولم تأت باسم، وقدرت فيه ضمير الشيء، أو قلت: زيد ولم تأت بفعل، ولا اسم آخر ولم تضمره في نفسك كان ذلك، وصوتًا تصوِّته سواء فاعرفه" (16).

وإذ قد عرفت أنه لا يتصور الخبر إلا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث. وذلك أنه كما لا يتصور أن يكون هاهنا خبر حتى يكون مخبِر به ومخبَر عنه. كذلك لا يتصور أن يكون خبر حتى يكون له مخبِر يصدر عنه، ويحصل من جهته، ويكون له نسبة إليه، وتعود التبعة فيه عليه. فيكون هو الموصوف بالصدق إن كان صدقًا، وبالكذب إن كان كذبًا. أفلا ترى أنّ من المعلوم أنه لا يكون إثبات ونفي حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما من جهته، ويكون هو المزجي لهما، والمبرم والناقض فيهما، ويكون بهما موافقًا ومخالفًا، ومصيبًا ومخطئًا، ومحسنًا ومسيئًا (17).

تستمد الكلمة معناها من السياق الذي توضع فيه؛ فالسياق يحيلها إلى مدح أو ذمّ، أو إلى معنًى آخر، فكلمة حمار لها مدلول في التركيبين التاليين مختلف: زيدٌ حمار فاره، وحمار زيدٍ فاره، واشتريت حمارًا. فالكلمة لها معنًى بحسب تكوينها ومادتها، وتجدُّ لها معانٍ بحسب البيئة، ولعلك تلحظ معي أنّ المفردات ليست إلا أدوات أو وسائل لتحقيق المعنى النحوي الذي هو المقصود من إنشاء الكلام.

وإلى هذا المعنى قصد عبدالقاهر حين قال: "تعلقه بمجموع الجملة

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير